حين يسعى العَرَضُ إلى إعادة بناء الحدود التي مزَّقتها الصدمة

إعادة قراءة إكلينيكية لحالة وسواس قهري في ضوء الفهم المعاصر للصدمات النفسية


مقدمة

تستمر بعض الحالات السريرية في مرافقة المعالج لسنوات طويلة حتى بعد اختفاء الأعراض التي كانت وراء طلب العلاج. ليس فقط بسبب تعقيدها أو شدتها الانفعالية، بل أيضاً لأنها قد تُشكِّل أحياناً لحظات تأسيسية في تطور التفكير الإكلينيكي نفسه.

تنتمي الحالة المعروضة في هذا المقال إلى هذا النوع من الحالات. فهي تتعلق بعميلة كانت تعاني من اضطراب وسواس قهري شديد، و معيق بدت أعراضه، في ظاهر الأمر، منظمة و مُتمحورة حول التلوث و التنظيف و البحث عن الطهارة. غير أن العمل العلاجي كشف تدريجياً عن وجود تنظيم صَدمِيّ أعمق بكثير، يتمحور حول الاقتحام و الشعور بالتلوث و انهيار الإحساس بالأمان النفسي و تزعزع الحدود الجسدية و الذاتية.

حين تقابلت بهذه العميلة لأول مرة، لم تكن المقاربة الصَّدَمية، التي تنظم عَملي العلاجي اليوم، قد تبلورت بعد بشكل واضح. لم أكن أعرف، حينها، لا العلاج الترابطي للصدمة النفسية (PTR)[i]، و لا العلاج الاندماجي لحركة العين (EMO)[ii] و لا العلاج بإعادة صياغة الصور الذهنية ( IR)[iii]،
و لا غيرها من المقاربات الحديثة الخاصة بإعادة معالجة الصدمات النفسية. غير أن العودة إلى هذه الحالة اليوم تكشف أن العمل العلاجي كان، منذ ذلك الوقت، موجَّهاً بشكل حدسي نحو البحث عن التنظيم الصدمي الكامن خلف العَرَض.

لطالما ارتكَزَت طريقتي في فهم الأعراض النفسية على فكرة بسيطة مفادها أن العَرَض يشبه الرطوبة التي تظهر على جدار المنزل. فالمشكل الحقيقي ليس هو الرطوبة في حد ذاتها، بل المكان الذي تسربت منه المياه إلى داخل البنية. لذلك، لا يقتصر العمل العلاجي على إزالة العَرَض الظاهر فقط، بل يتطلب و يستلزم البحث عن التنظيم النفسي الذي إِضْطَرَّ الذَّاتَ إلى إنتاجه من أجل البقاء.

لا تهدف هذه القراءة الجديدة إلى إعادة كتابة الماضي الإكلينيكي بشكل مُصطنع و مُتكلَّف انطلاقاً من معارف الحاضر، بل إلى خلق نوع من الحوار بين المعالج الذي كنتُه آنذاك و الفهم الإكلينيكي، الحالي، المُرتكِز على المقاربة من خلال الصدمة و الذي تطور عبر السنوات.

العَرْضُ الإكلينيكي للحالة

كانت السيدة «عَزَّة»[iv] تبلغ من العمر تسعاً و عشرين سنة عند حضورها إلى الاستشارة. تعاني منذ حوالي أربع سنوات من اضطراب وسواس قهري شديد و معيق. كانت مُطلَّقة بعد زواج لم يدم سوى ثلاثة أشهر، دون أطفال، و تعيش داخل أسرة كبيرة ذات طابع تقليدي محافظ.

حين حضرت إلى العلاج، كان الاضطراب قد بدأ يسيطر تدريجياً على مختلف جوانب حياتها. لم تعد الأعراض تقتصر على بعض سلوكات الغسل أو التنظيف، بل أصبحت تعيد تنظيم علاقتها بجسدها و بالفضاء و بالآخرين و بالحياة الأسرية نفسها. و قد تمثلت الأعراض الأساسية في غسل اليدين بشكل متكرر و قهري و تجنب كل ما يمكن أن يُعاش كتلوث و تقييد الوصول إلى بعض الأماكن المُخصَّصة لها داخل الفضاء المنزلي و طقوس تنظيف طويلة و معقدة قبل الحمام و حاجة مستمرة إلى الإحساس بالأمان و إعادة تنظيم الحياة اليومية بالكامل حول متطلبات العَرَض.

داخل البيت العائلي، كانت بعض الزوايا أو الأماكن تُترك لها وحدها تفادياً لأي تَماسٍّ يمكن أن يثير لديها الإحساس بالتلوث. كما أن الحمام التقليدي داخل المنزل كان يتطلب منها طقوس تنظيف طويلة قبل أن تتمكن من استعماله. حتى الدورة الشهرية أصبحت مصدراً للمعاناة و القلق إلى درجة أنها لجأت إلى أدوية تسمح بتأخيرها أو التحكم في توقيتها.

و من أكثر العناصر الإكلينيكية دلالة، عجزها عن حمل ابن أخيها الرضيع بين ذراعيها رغم رغبتها العاطفية الشديدة في الاقتراب منه. و كانت مجرد الإشارة إلى هذا الأمر تثير لديها ألماً نفسياً واضحاً.

كما أن تنقلاتها خارج البيت كانت تتطلب، دائماً، مرافقة إحدى أخواتها التي لم تكن تقوم فقط بوظيفة المرافقة العملية، بل بدت تدريجياً كأنها تؤدي وظيفة تنظيمٍ نفسي و احتواءٍ انفعالي يساعدها على الحد من بداية الانهيار تحت ضغط القلق.

العَرَض بوصفه تنظيماً للبقاء

يبدو اليوم، بعد العودة إلى هذه الحالة، أن اضطراب الوسواس القهري لدى «عَزَّة» لم يكن مجرد مجموعة من السلوكات غير المنطقية المرتبطة بالخوف من الأوساخ.

بل بدا العَرَض، على الأرجح، كمحاولة مُركَّبة و مُعقَّدة لإعادة بناء حدود نفسية و جسدية تعرَّضت لِتصدُّعٍ عميق. فالغسل المتكرر، و البحث عن الطهارة، و تجنب التلامس، و تقسيم الفضاء، و الحاجة إلى التحكم، و طقوس التنظيف، ظهرت، شيئا فشيئا، باعتبارها آليات دفاعية تهدف إلى حماية الذات من تجربة داخلية للتلوث أصبحت غير قابلة للتحمل نفسيًا.

بمعنى آخر، لم يكن العرض مجرد مشكلة ينبغي التخلص منها، بل كان أيضًا صيغة نفسية للبقاء. لقد كانت الذات تحاول، عبر هذا التنظيم القهري، أن تمنح نفسها حدًّا أدنى من السيطرة داخل عالم داخلي و خارجي اختل فيه الإحساس بالأمان، و اضطربت فيه الحدود، و تعرضت فيه الحميمية للانتهاك.

البؤرة الصَّدَمِية المركزية

أظهرت عملية الاستقصاء الإكلينيكي، بشكل تدريجي، أن فترة الزواج القصيرة كانت تشكل البؤرة الصَّدمية المركزية التي انتَظَمَ حولها الاضطراب بأكمله. ففي تلك المرحلة، تعرضت «عَزَّة» لعدة تجارب شديدة الإرباك مرتبطة بالجسد و الاقتحام و التلوث و العجز عن حماية الذات.

كان زوجها السابق يشتغل ميكانيكياً، و يعود إلى البيت بملابس العمل المتسخة دون أن يغتسل أو يغيرها. كما أن استهلاكه المتكرر للكحول كان يزيد من الإحساس بعدم الأمان و فقدان القدرة على التنبؤ بسلوكاته. و كانت حالات القيء و التبول في الفراش تتكرر بشكل متواصل، بينما كانت «عَزَّة» مضطرة إلى تنظيف كل ذلك بصمت و في سرية تامَّة خوفاً من الفضيحة داخل العائلة.

أما الحدث الأكثر صدمية، فتمثل في تعرضها لاعتداء جنسي شرجي، من طرف زوجها، تحت تأثير الكحول. و قد تم تنظيم و إدماج هذا الحدث مباشرة من خلال مرجعية دينية صارمة، مما أدى إلى تضاعف الإحساس بالتلوث و الانهيار النفسي.

و مع العودة إلى هذه الحالة اليوم، تتجلَّى عدة عناصر أساسية في فهمها. نذكر منها انهيار الحدود الجسدية، و الاختراق العنيف للحميمية، و العجز عن حماية الذات، و الإلتزام بواجب الصمت، و التلوث النفسي، و فقدان الإحساس بالأمان.

و يبدو أن اضطراب الوسواس القهري قد شكل، في هذا السياق، محاولة يائسة لإعادة بناء حد أدنى من التحكم داخل عالم جسدي و علائقي أصبح شديد التهديد.

البدايات العلاجية الأولى

في تلك الفترة، كان عملي العلاجي يرتكز أساساً على استعمال العلاج السلوكي المعرفي

و التنويم الإيحائي التحاوري الاستراتيجي و بعض أدوات البرمجة اللغوية العصبية. غير أن العودة إلى هذه الحالة تكشف اليوم أن عدة حُدوسٍ إكلينيكية كانت توجه العمل نحو مسار يبدو الآن شديد الدلالة. فلم يكن الهدف الأساسي هو محاربة العَرَض بشكل مباشر، بل البحث عن التنظيم النفسي الذي يستند إليه.

و لقد تم استعمال بروتوكول [v]SCORE كإطار أولي للعمل العلاجي. و من المثير، للاهتمام اليوم، ملاحظة أن أهمية هذا الاختيار لم تكن مرتبطة بالبروتوكول في حد ذاته، بقدر ما كانت مرتبطة بما يسمح به من تحريك للتجربة النفسية و تنظيم للمشاعر و الانتقال التدريجي بين الحالات الداخلية.

كما أن العمل العلاجي تطلب عدة تكييفات، حتى يصبح البروتوكول منسجماً مع العالم النفسي الحقيقي للعميلة، مثل الترجمة إلى الدارجة المغربية، و تبسيط التَّعابير و الصِّيغ، و احترام السياق الثقافي، و مراعاة محدودية المستوى الدراسي، و الحفاظ المستمر على الإحساس بالأمان. و مع العودة إلى هذه الحالة اليوم، تبدو هذه التعديلات أهم بكثير من البروتوكولات نفسها.

الأمان النفسي و إعادة معالجة الصدمة

اتخذ العمل العلاجي، بالتدريج، منحى أكثر تركيزاً على إعادة معالجة الذكريات الصدمية بطريقة تجريبية و آمنة. و رغم أنني لم أكن أُفكر في الأمر بهذه الصياغة آنذاك، فإن ما جرى في الواقع كان يستند إلى عدة مبادئ أساسية ستجد لاحقًا مكانها الواضح داخل المقاربات الحديثة للصدمة النفسية: عدم إعادة تنشيط الألم بصورة جارفة، و الحفاظ المستمر على الإحساس بالأمان، و التقدم التدريجي، و العمل مشهدًا بمشهد، و تنشيط الحالات الداخلية الآمنة، و المشاركة الفعالة للعميلة في تعديل تمثُّلاتها الصدمية.

و من أكثر العناصر دلالة، في العمل العلاجي، استعمال ذكرى العُمرة باعتبارها فضاءً داخلياً للأمان. فالعُمرة كانت قد منحت «عَزَّة» تجربة من الطمأنينة و الراحة و الإحساس بالتطهر النفسي. و رغم أن التحسن الذي حدث بعد العودة من العُمرة لم يستمر طويلاً، فإن هذه الذكرى احتفظت بقيمة انفعالية مهدئة و آمنة.

و انطلاقاً من هذا الإحساس بالأمان، بدأ العمل التدريجي على المشاهد الصدمية. كانت العميلة تستحضر المشاهد واحداً تلو الآخر، ثم تقوم بنفسها بإجراء التعديلات التي تراها ضرورية لجعلها أكثر احتمالاً.

في بعض المشاهد، كانت تحذف عناصر معينة؛ و في أخرى، كانت تُعيد تنظيم تسلسل الأحداث. أما بخصوص مشهد الاعتداء الجنسي، فقد اختارت في النهاية أن تتخيل أن زوجها السابق، بسبب شدة سكره، قد دخل في نوم عميق قبل حدوث الاعتداء.

و تبدو هذه النهاية بالغة الدلالة اليوم. فالذات لم تكن تبحث عن الانتقام أو تدمير المعتدي، بل عن إلغاء الانتهاك الصدمي نفسه قبل المساس بالحرمة الجسدية.

إعادة التنظيم العَرَضي و التحولات الإكلينيكية

بعد الانتهاء من العمل على مختلف المشاهد الصدمية، بدأت تظهر عدة تحولات مهمة كالعودة إلى الحمام الجماعي مع نساء العائلة، و تراجعٍ واضح في وتيرة طقوس التنظيف، و اختفاء الأماكن المخصصة لها وحدها داخل الفضاء المنزلي، و استعادة الأنشطة اليومية، و التخلي عن الحاجة الدائمة لمرافقة الأخت و عودة الدورة الشهرية إلى انتظامها الطبيعي، و أخيراً، القدرة على حمل ابن أخيها دون معاناة نفسية شديدة.

و يبدو أن هذه التحولات تجاوزت، بكثير، مجرد تراجع الأعراض و انخفاض وتيرتها، بل هي ربما تعكس، على الأرجح، إعادة تنظيمٍ أعمق للعلاقة بالجسد، و بالتلوث، و بالفضاء، و بالحميمية، و بالآخر، و بالإحساس الداخلي بالأمان. و هذا ما يدعم الفرضية القائلة إن العرض لم يكن سوى تنظيم دفاعي حول جرح صدمـي أقدم و أعمق.

مناقشة إكلينيكية

تشكل هذه الحالة اليوم محطة مهمة في فهم تطور مساري كمعالج نفسي. فهي تكشف كيف يمكن لبعض الحُدُوسِ الإكلينيكية أن تسبق، بسنوات، اكتشاف النماذج النظرية التي ستمنحها لاحقاً بِنْيتَها المفهومية الواضحة.

فقبل التعرف على العلاج الترابطي للصدمة النفسية أو الإدماج عن طريق حركة العين أو إعادة صياغة الصور الذهنية، كان العمل العلاجي يتجه، بشكل حدسي، نحو البحث عن النواة الصدمية، و استعادة الأمان النفسي، و إعادة تنظيم و صياغة الذاكرة الصدمية، و تفكيك الأنظمة الدفاعية التي تبلورت حولها.

كما تُذكِّرنا هذه الحالة بأن بعض اضطرابات الوسواس القهري لا يمكن فهمها فقط من خلال مظاهرها السلوكية الظاهرة. ففي بعض الحالات، لا يكون العَرَض مجرد خلل معزول، بل محاولة معقدة للبقاء النفسي بعد تجارب صدمية أعادت تنظيم علاقة الذات بجسدها و حدودها و إحساسها بالأمان.

و من هذا المنظور، قد يكون من الأجدى ألاَّ يُنظر إلى الوسواس القهري هنا بوصفه اضطراباً قهرياً صرفاً، بل بوصفه بنية دفاعية مركبة تتقاطع فيها عناصر الصدمة، و الاشمئزاز، و الخزي، و التلوث، و التهديد الجسدي، و انهيار الحدود.

خاتمة

تحتفظ هذه الحالة بمكانة خاصة داخل مسارِيَ العلاجي. ليس فقط بسبب التحولات التي عرفتها العميلة، بل أيضاً لأنها تمثل، على الأرجح، إحدى اللحظات الأولى التي بدأ فيها عملي يتجه، بشكل حدسي، نحو البحث عن التنظيمات الصدمية الكامنة خلف الأعراض بدل التركيز على العرض الظاهر وحده.

فمع العودة إلى هذه الحالة اليوم، يبدو أن اضطراب الوسواس القهري لدى «عَزَّة» لم يكن مجرد خوف من التلوث أو الأوساخ، بل محاولة نفسية لإعادة بناء حدود داخلية انهارت بعد سلسلة من التجارب التي عاشتها الذات باعتبارها اقتحامية و مُدمِّرة للإحساس بالأمان.

لقد كان العَرَض يشبه الرطوبة التي تظهر على جدار المنزل واضحة و مزعجة و أحياناً طاغية، لكنها تكشف قبل كل شيء عن وجود تسرب أعمق داخل البنية نفسها. و ربما لا يتمثل العمل الحقيقي في العلاج النفسي في إزالة الرطوبة الظاهرة فقط، بل في فهم المكان الذي بدأت منه المعاناة تتسلل بصمت إلى حياة الفرد.

برشيد 2026


[i] Brassine, G., & Tonglet, N. (2022). Surmonter le traumatisme : initiation à la PTR. Satas.

[ii] Beaulieu, Danie, Eye movement integration therapy: the comprehensive clinical guide, 2003, Crown House Publishing Ltd.

[iii] Van Der Wijngaart, R. (2021). Imagery Rescripting: Theory and Practice. Pavilion Publishing and Media Ltd.

[iv] تم تغيير الاسم حفاظاً على السرية المهنية.

[v] بروتوكول ابتكره روبرت ديلتس Robert Dilts و تود إبستين Todd Epstein و يُعد نموذجًا استكشافيًا فعالاً يُستخدم في البرمجة اللغوية العصبية و في مجال التدريب. و يتيح تنظيم المقابلة، و توضيح المشكلات المعقدة، و وضع خطة لاستراتيجية العمل.

يمكن استخدام المرجع التالي للاستشهاد بهذا المقال:

محمد فراج د. ف (2019). حين يسعى العَرَضُ إلى إعادة بناء الحدود التي مزَّقتها الصدمة. Sycologia.

آخر تحديث: 13 يوليوز 2026

Leave a Comment

error: Le contenu de Sycologia est protégé. Merci de respecter le travail éditorial et clinique du site.محتوى موقع سيكولوجيا محمي بحقوق النشر. نرجو منكم احترام العمل التحريري و الإكلينيكي للموقع.