حين تتحول الرجولة إلى درع ضد الانهيار

تأملات إكلينيكية حول حالة صدمة جنسية ذكورية معقدة في السياق المغربي

تُعدُّ صدمة الاعتداء الجنسي لدى الرجال من أكثر المجالات صمتاً و تعقيداً في الممارسة العلاجية النفسية المعاصرة، خصوصاً داخل المجتمعات التي ترتبط فيها تصورات الرجولة و الشرف و الذكورة بمعايير تجعل من هذه الخبرات أموراً يكاد يستحيل التفكير فيها أو التعبير عنها نفسياً و اجتماعياً.

في العديد من السياقات الثقافية، نادراً ما يلجأ الرجال، ضحايا الاعتداء الجنسي، إلى طلب المساعدة مع البوح بشكل مباشر إلى ما تعرَّضوا له. فالصدمة تظهر بشكل خفي أو غير مباشر، محجوبة وراء أعراض تبدو غير ذات صلة، مثل: الاكتئاب، و السلوكيات الإدمانية، و العنف، و المشاكل في العلاقات، و فرط الرغبة الجنسية، و القلق، و الاندفاع، و التجسيد العضوي للأعراض، أو السلوكيات المعادية للمجتمع.

الحالة التي يتناولها هذا المقال تكشف، بقوة، هذه الحقيقة الإكلينيكية، كما تسمح بالتفكير في عدة أبعاد نادراً ما يتم تناولها مجتمعة كآليات التماهي مع المعتدي، و هو مفهوم يجد أحد جذوره النظرية في أعمال فيرنكزي Ferenczi حول التباس لغة الحنان و العنف بين الراشد و الطفل (Ferenczi, 1933)، و الأثر العميق للصدمة الجنسية المبكرة على النمو النفسي، و بناء الرجولة الدفاعية المفرطة، و آليات الانفصال النفسي، و إمكانات التحول العلاجي عندما يجد الفرد أخيراً فضاءً آمناً يسمح للصدمة بأن تصبح قابلة للتفكير..

و تكمن أهمية هذه الحالة، أيضاً، في كونها تفتح المجال للتفكير في بعض خصوصيات العمل العلاجي على صدمات الاعتداء الجنسي مع الذكور داخل السياق المغربي، حيث يقود الصمت و الخجل و الخوف من الانكشاف، كثيراً من المرضى، إلى الاختباء خلف تشخيصات سطحية لا تلمس النواة الصدمية الحقيقية. و يمكن ربط ذلك، أيضاً، ببعض التحليلات العربية حول الهدر، القهر، و الجرح الرمزي في البُنى الاجتماعية (م. حجازي، 2005).

العرض الإكلينيكي للحالة

يتعلق الأمر بالعميل «م.م»[i]، رجل يبلغ من العمر أربعين سنة، متزوج منذ أربع سنوات و أب لطفل يبلغ سنتين، و يشتغل سائق سيارة أجرة صغيرة. يحتل العميل المرتبة ما قبل الأخيرة داخل أسرة تتكون من عشرة أبناء، تضم ثماني أخوات و أخ واحد.

منذ اللقاء الأول، كان هناك عنصر لافت للانتباه: فقد قطع العميل مئات الكيلومترات، متجاوزاً عدة مدن كبرى، من أجل الحضور لمدينة برشيد لطلب العلاج، رغم وجود إمكانيات أقرب للاستشارة.

قدَّم العميل نفسه في البداية على أنه يعاني من «الاكتئاب»، و هو التشخيص الذي سبق أن أُعْطِيَ له مراراً من طرف عدد من الأطباء النفسيين الذين تابعوه سابقاً.

غير أن تعميق الاستقصاء الإكلينيكي كشف سريعاً عن تنظيمٍ نَفْسِيٍ أكثر تعقيداً بكثير. فقد تحدث العميل عن كوابيس متكررة منذ سن الخامسة و أجواء أسرية متوترة باستمرار و شعور مُزمِنٍ بالخوف و انعدامٍ عميق للأمان النفسي و إحساس دائم بالهشاشة و الضعف.

في سن السادسة، تعرض لأول اعتداء جنسي من طرف مراهق في الحي يبلغ حوالي خمس عشرة سنة، استدرجه إلى سطح المنزل بحجة مشاهدة الحمام. و بعد ثلاث سنوات، تعرض لاعتداء جنسي ثان داخل غابة. بالتوازي مع ذلك، ظهرت عدة مؤشرات تدل على تَشكُّلٍ جِنْسيٍ مُبكِّرٍ و مُشوِّشٍ للنمو النفسي: سلوكات التلَصُّص البصري اتجاه الأخوات؛ الإستمناء القهري؛ إثارة جنسية مرتبطة بالخجل و تداخل تدريجي، مُشوِّشٌ، للحدود النفسية و الجسدية.

و هناك حادثة معينة، تحتل مكانة مركزية، داخل التجربة الصدمية للمريض. فعندما كان يبلغ إحدى عشرة سنة، كان يتلصّصُ و يراقب أخته الكبرى أثناء استحمامها، و شرع في الاستمناء خلف باب الحمام، قبل أن يُباغَتَ بأخته تفتح الباب فجأة.

و في غضون العمل العلاجي لاحقاً، لم يُصنِّف العميل هذه الحادثة كمجرد ذكرى مُحرجة، بل اعتبرها أكبر “صدمة في حياته”.

و خلال مرحلة المراهقة، و بعد محاولة اعتداء جنسي جديدة من طرف زوج أخته، بدأت تظهر عدة تنظيمات دفاعية قوية. حيث شرع المريض، تدريجياً، في بناء صورة ذكورية مفرطة حاول تجسيدها، على أرض الواقع، من خلال ممارسة كمال الأجسام و التَّصرُّف بعدوانية و الترويج للسمعة المخيفة و الجنوح إلى العنف و استهلاك و ترويج المؤثرات العقلية.

و قد صاحب هذا التحولَ الدفاعي، و هذه الرجولةَ الوقائيةَ، التماهي و التكيّفُ التدريجي مع موقف المُهَيمِن. ففي سن السادسة عشرة ثم الثامنة عشرة، قام العميل باعتداءات جنسية على فتيان أصغر منه، مستعملاً أحياناً نفس السيناريو الذي استعمله المُعتدي الأول عليه، أي استدراج الضحية بحجة مشاهدة الحمام فوق السطح.

و إن الإشارة إلى هذه الاعتداءات اللاحقة لا تهدف إلى تبريرها أو التخفيف من خطورتها، بل إلى فهم بعض الديناميات النفسية التي قد تؤدي، في حالات معينة، إلى إعادة تمثيل الصدمة عبر الانتقال من موقع الضحية إلى موقع المعتدي.

الصدمة الجنسية و تَشكُّل النمو النفسي

تدعونا هذه الحالة، و هذا المسار السريري إلى تجاوز القراءة التبسيطية المختزلة للصدمة الجنسية باعتبارها حدثاً منفصلاً. ففي حالة «م.م»، تبدو التجارب الصدمية و كأنها شاركت تدريجياً و فعليا في تنظيم النمو النفسي بحد ذاته. و يبدو أن الصدمة لم تعد مجرد جرح معزول، بل أصبحت، تدريجياً، جزءاً من البناء التطوري للنفس و عنصراً مؤثراً في تنظيمه.

لقد تشكل العالم العلائقي و الجسدي و الجنسي مبكراً حول الاقتحام و الارتباك و الخجل و الإثارة الصدمية و الخوف. كما يحتل التلصص هنا وظيفة نفسية مثيرة للاهتمام بشكل خاص. فإلى جانب الإثارة الجنسية، يبدو أنَّه، أيضاً، محاولة لاستعادة الإحساس بالسيطرة على عالم جنسي، عاشه المريض، في الأصل، من موقع السلبية و الهشاشة و الضعف. فالإبصار يسمح بالرؤية دون أن يُرى، و بالولوج دون التعرض للإيلاج، و بالتحكم عن بُعد في مجال نفسي أصبح شديد التهديد.

الرجولة الوقائية و الخوف من الآخر

يكمن أحد أهم عناصر هذه الحالة في تشكل ما يمكن تسميته بالرجولة الوقائية المفرطة.
و نقصد بالرجولة الوقائية بناءً نفسياً دفاعياً يتخذ من المبالغة في إظهار القوة و الصلابة و العدوانية وسيلة لحماية الذات من خبرات سابقة من العجز أو الإذلال أو التعرض للاعتداء.

فبعد تجارب الاعتداء الجنسي و الهشاشة و الضعف، بدأ العميل، بشكل تدريجي، في بناء صورة تقوم على صورة قاسية و عدوانية شديدة و السعي، المُستمر، للسيطرة و تَبَنِّي سلوكيات معادية للمجتمع لتقوية سمعة مُخيفة.

و مع ذلك، يبدو أن هذه الذكورة المفرطة لا تنبع من ثقةٍ نرجسيةٍ حقيقيةٍ بقدر ما تنبع من محاولة يائسة لسحق وضعٍ داخلي ضعيف و تأنيثي و مُهدِّد. و أيضاً، يمكن قراءة هذا البناء الدفاعي في ضوء بعض التصورات حول هشاشة التنظيمات النرجسية (Kernberg, 1975).

و طوال فترة المتابعة العلاجية، برز عنصر أساسي بشكل تدريجي ألا و هو فرط الاستنفار و الخوف العميق من الآخر. و يمكن فهم هذا الاستنفار المزمن في ضوء الأدبيات المعاصرة حول أثر الصدمة على الجسد و الجهاز العصبي (Van der Kolk, 2014).

و يبدو أن الاندفاع و العنف و العدوانية تعمل كآليات دفاعية ضد حالة دائمة من الاستنفار المفرط و انعدام الأمان في العلاقات. و قد ظهر المَعْنَى الكامل لهذه الفرضية الإكلينيكية عندما وصف العميل لاحقاً أحد أهم التحولات العلاجية بقوله :”اختفى الخوف من الآخر تماماً”.

مقاربة غير مباشرة للصدمة

غالباً ما يفرض السياق الثقافي المغربي اعتماد مقاربة غير مباشرة في التعامل مع الصدمات الجنسية التي يتعرض لها الرجال. فنادراً ما يبوح و يُصرِّحُ الضَّحية مباشرة بما تعرَّض له من اعتداءات. بل إن الصدمة تتجلَّى تدريجيا، و هي متخفية، خلف الاكتئاب و الإدمان و العنف أو الاضطرابات العلائقية.

و في هذا السياق، يتطلب استجواب العميل الاستماع، بشكل خاص، إلى التلميحات غير المباشرة، و التناقضات، و الأعراض التَّستُّرية، و الصيغ الضمنية.

و أثناء الاستكشاف الإكلينيكي، قاطع العميل المعالج و سأله:” لماذا لم يطرح عليّ أي من الأطباء النفسيين، الذين قابلتهم من قبل، هذا النوع من الأسئلة؟ ” ثم أضاف لاحقاً:”كلما طَرحْتَ عليّ هذا النوع من الأسئلة أكثر، أشعر براحة أكبر”.

و على ما يبدو، تُوضِّح ردة الفعل هذه أمراً جوهرياً يتعلَّق بالارتياح النفسي الذي قد يشعر به الفرد عندما يجد أخيراً من يفكر فيه خارج حدود التشخيص السطحي.

علاج الصدمات و تجربة التغيير المبكر

كان أحد الأهداف الرئيسية للعمل العلاجي هو تمكين المريض، بسرعة، من خوض تجربة ملموسة لوجود إمكانية التغيير. و على الرغم من بعض التوصيات المبدئية التي تدعو إلى التَّدرُّج في علاج الصدمات بالبدء من الأخف إلى الأكثر تعقيداً، تم التوجه مباشرة نحو المشهد الذي اعتبره العميل النواة الصدمية الأهم في حياته.

لقد تم العلاج النفسي للصدمات باستخدام العلاج الترابطي للصدمة النفسية (PTR) الذي يؤدي إلى تغيير سريع و واضح في الحالة الداخلية للمريض. فعند خروج العميل من حالة التنويم الخفيفة، بدا على وجهه اندهاش عميق من سرعة التغيير الذي شعر به.

و من خلال الملاحظة الإكلينيكية، بدا أن تعابير وجهه تعكس شكلاً من أشكال الذهول الإيجابي كما لو أن النَفْسِيَّة اكتشفت فجأة أن ما بدا جامداً، منذ سنوات، يمكن أن يبدأ في التحرك.

من الفعل إلى الترميز: الوظيفة العلاجية للكتابة

بين الجلسات، طُلِب من العميل كتابة رسائل موجهة إلى ضحاياه. لم يكن الهدف هو بعث هذه الرسائل. بل كانت وظيفتها نفسية و رمزية بالأساس. هذا العمل، كان الهدف منه هو السماح بالانتقال التدريجي من منطق الفعل إلى منطق التمثيل، و من إعادة تمثيل الصدمة في السلوك إلى إمكانية التفكير فيها رمزيًا. هذا بالإضافة إلى عدة وظائف علاجية مهمة نذكر من بينها على سبيل المثال: التحول التدريجي من الفعل إلى الفكر و بناء و تكوين الشعور بالذنب و إعادة إدخال نوع من الاستمرارية النفسية داخل تاريخ كان شديد الانقسام (Bromberg, 1998).

و خلال الجلسة التالية، بدا على العميل انزعاج واضح من فكرة قراءة الرسائل بصوت مرتفع.

غير أن القراءة التدريجية، المصحوبة بطلبات التوضيح و التفصيل، أنتجت آثاراً نفسية عميقة. فقد وصف العميل، حينها، شعوراً عميقاً بالندم و إحساساً بالتحرر و شعوراً، قوياً، بالتخلص من عِبءٍ ثقيل و انخفاضاً واضحاً في استهلاك الأدوية بالموازاة مع عملية الكتابة. و يبدو أن هذه المرحلة شكلت انتقالاً أساسياً من تنظيم نفسي قائم على الفعل و الانقسام نحو بداية اشتغال رمزي أكثر تكاملاً.

التحولات الملحوظة

ابتداءً من الجلسة الثالثة، أشار العميل إلى عدة تغيرات مهمة تجسَّدت في حياته اليومية نذكر منها: تراجع واضح في السلوكات العدوانية و تحسُّن في التفاعل مع الآخرين و استئناف التفاعلات الاجتماعية و استعادةٍ تدريجية للثقة بالنفس و تراجع واضح في الاجترارات الصدمية و شعور بالسكينة الداخلية و تحسُّن ملحوظ في العلاقة الزوجية بالإضافة إلى اكتشاف مهارات، لم تكن مستغلة حتى ذلك الحين، لا سيما في قيادة السيارة.

بالتوازي مع ذلك، بدأت بعض المحتويات النفسية المنفصلة في الظهور أيضًا و الطفو إلى السطح مثل الصراعات العائلية القديمة و بعض الذكريات التي كانت مطموسة بالكامل حتى ذلك الحين و إعادة إحياء بعض المشاعر المؤلمة.

و لا يبدو أن ظهور هذه الأمور يعكس تفاقماً أو تدهوراً، بل هو بالأحرى استئناف تدريجي، يعبِّر عن استعادة الدينامية النفسية بعد تراجع حالة التأهب الدفاعي المزمن.

تأملات نظرية

تثير هذه الحالة عدة تساؤلات و قراءات مهمة.

أولاً، تذكرنا بأن بعض حالات “الاكتئاب المزمن” قد تخفي تنظيماً صدمياً أكثر تعقيداً بكثير.

ثانياً، تُسلِّط الضوء على احتمال وجود تنظيمات قائمة على الرجولة الوقائية تم بناؤها كحماية ضد تجارب مبكرة من الضعف و الإيذاء و الارتباك.

ثالثاً، تُوضِّح كيف يمكن أن تبقى الصدمات الجنسية التي يتعرض لها الرجال مطمورةً، لفترات طويلة، بالخجل و العنف و الإدمان و السلوكات المعادية للمجتمع.

و أخيراً، تُبيِّن هذه الحالة أن عملاً علاجياً قائماً على الأمان النفسي يمكن أن يسمح، بسرعة نسبية، باستعادة القدرات العلائقية، و تراجع فرط اليقظة و الاستنفار المُزمن، و بداية إعادة تنظيم الهوية النفسية بشكل أكثر تكاملاً.

خاتمة

تُجسّد حالة «م.م» التعقيد العميق للصدمات الجنسية، لدى الرجال، في بعض السياقات الثقافية التي لا يزال فيها التعبير عن التجربة الصدمية معطَّلاً و مكبوتاً إلى حدٍّ كبير.

فخلف صورة “الرجل القوي” أو “العنيف” أو “تاجر المخدرات” أو “الشخص المندفع”، ظهرت في الواقع نفسية مبنية، بشكل عميق، على الخوف و الخجل و الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة.

لم يقتصر العمل العلاجي على معالجة الذكريات الصادمة فحسب. بل سمح أيضاً بـالانتقال التدريجي من الفعل إلى الترميز و باستعادة الاستمرارية النفسية ثم إتاحة الفرصة للمريض لكي يبدأ في العيش بطريقة مختلفة عن الهوية المبنية حول الصدمة.

و ربما يكون أحد أهم الدروس المستفادة من هذه الحالة السريرية هو أنَّه، في بعض الأحيان، لا تختبئ وراء بعض أشكال الرجولة الوقائية قوة بقدر ما تختبئ محاولة يائسة لعدم العودة أبداً إلى حالة الضعف.

 


مراجع نظرية

Ferenczi, S. (1933). Confusion of Tongues Between Adults and the Child.

Van der Kolk, B. (2014). The Body Keeps the Score. Viking.

Kernberg, O. (1975). Borderline Conditions and Pathological Narcissism. Jason Aronson.

Bromberg, P. (1998). Standing in the Spaces. Analytic Press.

مصطفى حجازي (2005). الإنسان المهدور. المركز الثقافي العربي.


[i] تم تغيير جميع المعطيات الشخصية و بعض التفاصيل السريرية بما يضمن حماية هوية العميل و عدم إمكانية التعرف عليه.

يمكن استخدام المرجع التالي للاستشهاد بهذا المقال:

محمد فراج د. ف (2018). حين تتحول الرجولة إلى درع ضد الانهيار. Sycologia.

آخر تحديث: 13 يوليوز 2026

Leave a Comment

error: Le contenu de Sycologia est protégé. Merci de respecter le travail éditorial et clinique du site.محتوى موقع سيكولوجيا محمي بحقوق النشر. نرجو منكم احترام العمل التحريري و الإكلينيكي للموقع.