المقاربات العلاجية

العلاج النفسي التكاملي

يقوم التوجه العلاجي التكاملي على عدم حصر العمل النفسي في مدرسة واحدة أو تقنية واحدة، بل على اختيار ما يناسب حالة الشخص، و تاريخه، و نوع معاناته، و قدرته الحالية على التغيير. فالعلاج لا يُبنى انطلاقاً من نموذج جاهز يُفرض على المريض، بل من فهم دقيق لما يعيشه، و من الجمع المرن بين الإصغاء العميق، و العمل على الانفعالات، و الجسد، و الذاكرة، و أنماط التفكير و السلوك.

تلخص المقاربات المعروضة أدناه أهم الوسائل العلاجية التي أدمجها في ممارستي العيادية. و هي لا تُستعمل بطريقة منهجية أو ميكانيكية، بل يتم اختيارها و ربطها بحسب كل حالة، و كل شخص، و المرحلة التي بلغها العمل العلاجي.

إعادة صياغة الصور الذهنية (IR)

تقوم إعادة صياغة الصور الذهنية على استعمال الخيال للعودة، بطريقة آمنة و مضبوطة، إلى مشهد داخلي ترك أثرا انفعاليا عميقا: موقف مبكر، ذكرى موجعة، صورة متكررة، أو إحساس قديم ما زال يؤثر في نظرة الشخص إلى ذاته و إلى الآخرين.

لا يتعلق الأمر باسترجاع الماضي كما وقع، و لا بتغيير الوقائع، بل بإعادة التعامل مع الصورة الذهنية المرتبطة به. فمن خلال هذا العمل، يمكن أن يُتاح داخل المشهد حضورٌ يوفر الحماية، أو استجابة جديدة، أو موقف داعم، أو تصحيح رمزي لما بقي في التجربة الأصلية دون حماية، أو دون إنصاف، أو دون اعتراف.

تهدف هذه المقاربة إلى تخفيف الشحنة الانفعالية المرتبطة بالمشهد، و تعديل بعض المعتقدات العميقة التي تكونت حول الذات، مثل الشعور بالعجز، أو الذنب، أو عدم القيمة. و يساعد هذا المسار الشخص على بناء إحساس أكثر ثباتا بالأمان الداخلي، و الكرامة، و الاستمرارية النفسية.

الإدماج بحركات العين (IMO)

يُعدّ التكامل عبر حركات العين مقاربة علاجية تُستعمل في العمل على الذكريات المؤلمة، و التجارب الصادمة، و بعض الاستجابات الانفعالية المستمرة. و تقوم هذه المقاربة على محموعة موجّهة من حركات العينين تساعد على تنشيط جوانب متعددة من الذاكرة، مثل الصور، و الأحاسيس الجسدية، و الانفعالات، و الأفكار، و المعاني المرتبطة بالتجربة التي عاشها الشخص.

لا يهدف العمل هنا إلى محو الذكرى، بل إلى دعم إدماجها التدريجي، حتى لا تبقى معيشة كما لو أنها تجربة ما زالت نشطة، أو مُقتحمة، أو غير مكتملة المعالجة. و من خلال تعبئة الروابط بين حركات العين، و الذاكرة، و العمليات الترابطية، تساعد هذه المقاربة الشخص على تحويل علاقته بالتجربة الصادمة، و تخفيف الشحنة الانفعالية التي ما زالت مرتبطة بها، و استعادة قدر أكبر من الثبات الداخلي.

العلاج النفسي للصدمة بإعادة الترابط (PTR)

تُعدّ PTR مقاربة علاجية موجهة إلى معالجة الصدمة النفسية و ما تُحدثه من تفكك داخلي في علاقة الشخص بذاكرته و جسده و انفعالاته و إحساسه بذاته. و هي تعتمد على إيحاء حواري استراتيجي، يبقى فيه المريض واعياً، حاضراً و فاعلاً داخل المسار العلاجي، لا مجرد متلقٍّ سلبي للتدخل.

يقوم المبدأ الأساسي لهذه المقاربة على عدم دفع الشخص إلى استعادة الصدمة كما لو أنها تحدث من جديد، بل على إتاحة تحوّل تدريجي في علاقته بالذكرى، و بالجسد، و بالانفعالات، و بالأحاسيس المرتبطة بالتجربة الصادمة. و يهدف العمل العلاجي إلى ترميم الشعور بالأمان الداخلي، و تعبئة موارد الشخص، و إعادة ربط ما تَفكّك أو تَجزّأ بفعل الصدمة.

تنظر PTR إلى الأعراض الصدمية لا بوصفها اختلالات بسيطة، بل باعتبارها محاولات حماية أصبحت مُكلِّفة و مُعيقة مع مرور الزمن. لذلك لا يتمثل الهدف في محو الماضي، بل في تحويل الأثر الذي يتركه داخل الذاكرة الانفعالية، حتى يستعيد الشخص قدراً أكبر من الحرية، و الثبات الداخلي، و الحضور إلى ذاته.

التصور الإبداعي و التخيل العلاجي

يستعمل التصور الإبداعي الصور الذهنية من أجل تعبئة الموارد الداخلية، و تقوية بعض الحالات النفسية، و فتح إمكانات جديدة للتغيير. و هو يدعو الشخص إلى بناء صور، أو مشاهد، أو أحاسيس داخلية تدعم هدفا علاجيا معينا: كالتهدئة، أو الثقة، أو الحماية، أو الاستعداد لموقف ما، أو تحويل تجربة داخلية معينة.

داخل الإطار العلاجي، لا يتعلق الأمر بممارسة “التفكير الإيجابي” بطريقة مصطنعة، بل بإتاحة الفرصة للنفس كي تختبر بعض الإمكانات بطريقة مختلفة. و تصبح الصورة حينئذ سندا لإعادة التنظيم الداخلي: فهي تساعد الشخص على الاتصال بموارده، و تعديل علاقته بصعوبة معينة، و تثبيت معالم داخلية أكثر استقرارا للأمان، و الثقة، و الفعل.

معالجة الصدمات النفسية

لا تقتصر المعالجة العلاجية للصدمات النفسية على مجرد الحديث عن الماضي فحسب، بل تهدف أيضًا إلى تحويل الذكريات العاطفية، و ردود الفعل التلقائية، و الأحاسيس المستمرة، و أشكال المعاناة التي لا تزال تؤثر على الحاضر.

التنويم المغناطيسي الإكلينيكي

يُستخدم التنويم المغناطيسي الإكلينيكي كأداة علاجية تساعد على الوصول إلى التجربة الداخلية و الموارد النفسية و عمليات التحول العاطفي.

الذاكرة العاطفية

لا ترتبط الصعوبات العاطفية دائمًا بنقص الإرادة. تصبح بعض ردود الفعل تلقائية تحت تأثير الإجهاد أو الصدمة أو التاريخ الشخصي. يساعد العمل العلاجي تدريجياً على استعادة القدرة على التهدئة و التفهم و الاستقرار الداخلي.

تستمر بعض التجارب في التأثير عاطفياً حتى عندما تكون جزءاً من الماضي. يهدف العمل العلاجي إلى فهم و تحويل هذه الذكريات العاطفية عند استمرار تأثيرها علي ردود الفعل، العلاقات أو التجربة الداخلية.

ضبط التنظيم العاطفي

لا ترتبط الصعوبات العاطفية دائماً بنقص في الإرادة. تصبح بعض ردود الفعل تلقائية تحت تأثير الإجهاد، الصدمة أو التاريخ الشخصي. يساعد العمل العلاجي تدريجياً على استعادة القدرة على التهدئة و فهم الذات و الاستقرار الداخلي.

المقاربة عبر الثقافات

يمكن للتاريخ الثقافي و اللغة و المنفى و الانتماءات و الصراعات المتعلقة بالهوية أن تؤثر بعمق على الحياة النفسية. تأخذ المقاربة عبر الثقافات هذه الأبعاد بعين الاعتبار في العمل العلاجي.

error: Le contenu de Sycologia est protégé. Merci de respecter le travail éditorial et clinique du site.محتوى موقع سيكولوجيا محمي بحقوق النشر. نرجو منكم احترام العمل التحريري و الإكلينيكي للموقع.