بين النزعة القهرية و الفعل: الورقة كأداة للعلاج في اضطراب الوسواس القهري

تأملات إكلينيكية حول تحوُّل شيء مألوف إلى دعامة علاجية

مقدمة

في بعض الحالات الإكلينيكية، قد تُحدث الأدوات العلاجية البسيطة أحياناً أثراً عميقاً و غير متوقع. ليس لأنها تعتمد على تعقيد تقني أو بروتوكولات مُبهرة، بل لأنها تنجح في تعديل بعض الآليات الأساسية التي يقوم عليها الاشتغال النفسي بطريقة هادئة و دقيقة.

و هذا بالضبط ما دفعني إلى التفكير في تجربة علاجية قمت بها مع مريض شاب كان يعاني من اضطراب الوسواس القهري، تمحورت أعراضه بشكل أساسي حول سلوكيات الغسل القهري و إعادة الوضوء بشكل متكرر.

كان العميل يعيش في مدينة بعيدة، و لم يكن بإمكانه الاستفادة من متابعة علاجية منتظمة و متقاربة زمنياً. و قد طَرحَت هذه الوضعية صعوبة حقيقية. كيف يمكن الحفاظ على نوع من الاستمرارية العلاجية بين الجلسات؟ و كيف يمكن مساعدة العميل على استعادة شكل من أشكال التحكم في سلوكياته القهرية رغم غياب إطار علاجي متكرر؟

بدل أن أركز منذ البداية على منع السلوك القهري أو الدخول في صراع مباشر معه، قمت بتصميم أداة بسيطة جداً. إنها ورقة عمل تتضمن مجموعة من الأعمدة و الخانات، يُطلب فيها من العميل تعبئتها قبل القيام بكل فعل قهري.

و كان المبدأ بسيطاً، كلما شعر العميل بالحاجة إلى إعادة غسل يديه أو إعادة الوضوء، كان عليه أولاً أن يقوم بتعبئة الورقة قبل القيام بالسلوك القهري.

و كانت الأسئلة المطروحة داخل الورقة من قبيل:

ما الفكرة التي تدفعني إلى إعادة الغسل؟

لماذا أشعر أنني مضطر إلى القيام بذلك؟

ما القيمة المُضافة إذا أَعَدْتُ الغسل؟

ماذا أتوقع أن يحدث إذا لم أفعل ذلك؟

و هل يستمر الشعور بالراحة فعلاً بعد القيام بهذا بالسلوك؟

بعد مدة من الزمن، اتصل بي والد العميل ليخبرني بأن وتيرة السلوكيات القهرية بدأت تتقلَّص و تختفي بشكل ملحوظ. لكن الملاحظة الأكثر إثارة للاهتمام كانت ما نقله الأب عن ابنه، حين قال إنه بدأ يشعر بالتعب من الاضطرار إلى الكتابة في كل مرة قبل إعادة السلوك القهري.

قد تبدو هذه التجربة بسيطة ظاهرياً، لكنها في الواقع غنية جداً من الناحية الإكلينيكية. لأن هذا النوع من الأدوات يُنتِج في الوقت نفسه عدة تأثيرات علاجية متداخلة.

كسر الطابع الآلي للسلوك القهري

غالباً ما يعمل السلوك القهري وِفق دينامية سريعة و آلية. تظهر الفكرة الوسواسية، يرتفع القلق، ثم يُنفَّذ الطقس القهري بشكل شبه فوري بهدف تخفيف التوتر الداخلي مؤقتاً. و مع مرور الوقت، تصبح هذه السلسلة أكثر تلقائية و ترسُّخاً.

أحد أهم آثار الأداة التي تم استعمالها هو أنها أدخلت مساحة فاصلة بين الفكرة الوسواسية و بين السلوك القهري. بمعنى أن الانتقال لم يعد مباشراً و فورياً. بل أصبح العميل مضطراً إلى التوقف، و إحضار الورقة، و التفكير، و الكتابة، و ملاحظة ما يحدث بِداخله قبل أن يتمكن من القيام بالفعل القهري. و هذه المساحة البسيطة تُغيِّر بشكل عميق دينامية الوسواس القهري لأنها تُبطئ الطابع الآلي للسلوك. و أحياناً، في العمل الإكلينيكي، يكون مجرد إبطاء الآلية القهرية تدخلاً علاجياً بالغ الأهمية.

تحويل السلوك إلى موضوع للملاحظة

الجانب الثاني المهم، يتمثل في الانتقال من الاندماج الكامل مع السلوك إلى وضعية أكثر تأملاً و ملاحظة.

في الوسواس القهري، يعيش العميل الفكرة الوسواسية، غالباً، كحقيقة انفعالية مُلِحَّة تدفعه إلى الفعل بشكل سريع من أجل تخفيف القلق.

لكن حين يصبح مطالباً بوصف الفكرة الوسواسية و الحاجة التي يشعر بها و النتائج التي يتخيلها و التوقعات المرتبطة بالفعل القهري فإنه يبدأ تدريجياً في ممارسة نوع من التفكير التَّأمُّلي أو ”التمثيل النفسي“ لما يحدث بِداخله. فالسلوك لم يعد فقط يُمارَس بشكل اندفاعي. بل أصبح يُلاحظ، و يُحلَّل، و يُفَكَّر فيه. و هذا التحول أساسي جدّاً لأن الإنسان كلما أصبح قادراً على ملاحظة آلياته النفسية، كلَّما قلّ اندماجه الكامل معها.

إدخال تكلفة معرفية للسلوك القهري

هناك جانب آخر بالغ الأهمية، و يتعلق بما يمكن تسميته ”التكلفة المعرفية“ للسلوك القهري.

فالطقس القهري، مع مرور الوقت، يصبح سريعاً و سهلاً و شبه انعكاسي. لكن حين يُطلب من العميل أن يكتب و يُدوِّن قبل كل سلوك قهري، فإن ذلك يضيف خطوة جديدة تتطلب منه وقتاً، و انتباهًا، و جهداً ذهنياً و تعبئة معرفية.

بمعنى أن السلوك القهري لم يعد يتم بنفس السهولة و الانسيابية السابقة. و هنا يبدأ الدماغ تدريجياً في إدراك أن الفعل القهري أصبح أكثر كلفة من ذي قبل.

و في بعض الحالات، كما حدث مع هذا المريض، يبدأ، في الظهور، نوع من ”اللاجدوى“ أو التعب من الطقس القهري نفسه. و هذا التعب يمكن أن يتحول إلى مدخل علاجي مهم للغاية.

استعادة موقع فاعل لدى المريض

لكن، ربما يبقى الجانب الأهم في هذه التجربة في مكان آخر. فالعميل لم يُوضع في موقع سلبي يتلقى فيه فقط أوامر من قبيل: ”توقف عن القيام بالسلوك القهري“. بل تم منحه أداة تسمح له بالمشاركة الفعلية في ملاحظة اشتغاله النفسي و تنظيمه تدريجياً. و هذا الفرق مِن الأهمية بِما كان. لأن كثيراً من المرضى الذين يعانون من اضطرابات قلق شديدة أو من سلوكيات قهرية، ينتهي بهم الأمر إلى الشعور بأن أعراضهم تسيطر عليهم بالكامل.

أما هذه الأداة، فقد كانت تحمل ضمنياً رسالة مختلفة” :يمكنك أن تبدأ تدريجياً بملاحظة ما يحدث بِداخلك، و أن تتدخل شيئاً فشيئاً في طريقة اشتغال نفسك“. بمعنى، أن الهدف لم يكن فقط تقليص العَرَضَ المَرَضِي. بل أيضاً استعادة شكل من أشكال الفاعلية النفسية.

تأملات أوسع حول الأدوات العلاجية

تفتح هذه التجربة الإكلينيكية الباب أيضاً أمام سؤال أوسع. ففي العديد من السياقات العلاجية، خصوصاً داخل العالم العربي، ما زال هناك نقص واضح في الأدوات الإكلينيكية البسيطة و المنظَّمَة و المُكيَّفَة ثقافياً، و التي تسمح للمريض بأن يصبح مشاركاً فعلياً في مساره العلاجي.

إنَّ الكثير من الممارسات العلاجية ما تزال تعتمد أساساً على الكلام، أو التأويل، أو الدعم النفسي فقط، أو بروتوكولات قد تبدو أحياناً مجردة و بعيدة عن الواقع اليومي للمريض.

في حين أن بعض المرضى يحتاجون أيضاً إلى أدوات ملموسة، و مساحات للملاحظة الذاتية، و معالم تساعدهم على فهم ما يحدث لهم، و وسائل تمكنهم من مواصلة العمل النفسي خارج غرفة العلاج.

إن الأداة العلاجية الجيدة ليست مجرد ورقة إدارية. بل يمكن أن تصبح مساحة للتفكير، و وِعاءً نفسياً يحتوي التجربة، و دعماً للاستمرارية العلاجية، و آلية لتنظيم الانفعالات، و أحياناً امتداداً فعلياً للعمل العلاجي نفسه.

و ربما لهذا السبب، أصبح من الضروري اليوم تطوير موارد علاجية عربية حديثة:  ليس فقط عبر ترجمة ميكانيكية لاستمارات مُستوردة، بل من خلال تصميم أدوات نابعة من الممارسة الإكلينيكية الفعلية، و من الواقع الثقافي و الاجتماعي و النفسي الذي يعيش فيه العميل.

لأن مجرد وجود مساحة صغيرة بين الفكرة و السلوك قد يكون أحياناً بداية تحول عميق في علاقة الإنسان بمعاناته.

 

يمكن استخدام المرجع التالي للاستشهاد بهذا المقال:

محمد فراج د. ف (2023). بين النزعة القهرية و الفعل: الورقة كأداة للعلاج في اضطراب الوسواس القهري. Sycologia.

آخر تحديث: 13 يوليوز 2026

Leave a Comment

error: Le contenu de Sycologia est protégé. Merci de respecter le travail éditorial et clinique du site.محتوى موقع سيكولوجيا محمي بحقوق النشر. نرجو منكم احترام العمل التحريري و الإكلينيكي للموقع.