لماذا يصبح نجاح الآخر مصدرا للألم؟

من الحسد إلى التحقير الجماعي

يُروى أن جِنِّياً، ذات ليلة، عرض على ثلاثة رجال أن يحقق أمنياتهم. طلب الأول أن يكون غنياً فاحش الغنى. فحقَّق له ذلك. و طلب الثاني الشيء نفسه. و عندما جاء دور الثالث، قال له الجِنِّي: «أُطلب ما تشاء، لكن لا تطلب مني نفس الشيء الذي طلباه الآخران». فأجاب الثالث: «في هذه الحالة، أعِدْهُما إلى الوضع الذي كانا عليه قبل تحقيق طَلَبَيهما».

تنطق هذه الحكاية الصغيرة في عُمقها أكثر بكثير مما يبدو في ظاهرها. فهي لا تتحدث فقط عن الرغبة في النجاح. و إنَّما تتحدث عن رغبة أكثر قتامة: تكمُن في كوننا لا نرتقي إلى مكانة أعلى و نتضايق من وصول الآخر إليها.

مقدمة

هناك نجاحات نصفق لها بسهولة، لأنها تبقى بعيدة بما يكفي و لا تهدِّد فينا شيئاً. فنجاح شعب بعيد، أو فريق لا تربطنا به صلة مباشرة بتاريخنا، أو فنان ينتمي إلى عالم غريب عنا، أو مجتمع لا نعتبره قابلاً للمقارنة بمجتمعنا، يمكن أن يثير الإعجاب، أو الفضول، أو اللامبالاة. فهو لا يدخل في المجال الحساس لصورتنا الذاتية.

و لكن هناك نجاحات أخرى، أقرب إلينا، و أكثر تشابهاً. فهذه النجاحات لا تكتفي بالتألق فحسب، بل إنها تختبرنا، و تصبح مرآةً لنا، و تعكس مقارنة صامتة؛ فهي لا تقول لنا فقط: «لقد نجح الآخر»، بل يبدو أنها تهمس فينا: «و أنت، أين وصلت؟». و غالبًا ما تكون هذه اللحظة بالذات هي التي تُعيد إحياء جرح قديم أو تولِّد جرحاً جديداً.

فنجاح الآخر لا يُعاش دائماً كفرح مشترك. بل قد يُحَسُّ كاقتحام، أو استفزاز، أو هجوم، و أحياناً حتى كإهانة. ليس لأن الآخر هاجم، أو أهان، أو احتقر بشكل مباشر، بل لأن نجاحه يلامس منطقةً هشَّةً من نفسِيتِنا أو صورتنا عن أنفسنا. إنه يوقظ سؤالاً كنا نفضل كَبْحَهُ و ألاَّ نسمعه: لماذا هو، و ليس نحن؟ لماذا الآن؟ لماذا يعود إليه هذا الاعتراف؟ لماذا يبدو أن هذا الإشعاع ينتقل نحوه؟

غالبًا ما تبدأ استراتيجية الدفاع عن طريق التقليل من شأن الأمور، في مواجهة هذه الهشاشة، كرد فعل نفسي، عندما نجد أنفسنا عاجزين عن الإعجاب بشيء ما دون أن نشعر بأننا أقل شأناً.

عندما يصبح الإعجاب خطرًا

الإعجاب يفترض وجود قدر معين من الثقة بالنفس و الأمان الداخلي. لكي نعترف بنجاح الآخر، يجب أن نكون قادرين على تحمل حقيقةَ أنَّ الآخر يمتلك شيئاً لا نملكه بعد، أو أنه تمكن من تحقيق ما لم نتمكن نحن من تحقيقه. و هذا يتطلب حَداًّ أدنى من الصلابة النرجسية التي تمنحنا القدرة على القول «لقد نجح» دون أن نسمع في الحال «أنا أقل منه».

و عندما تنعدم هذه الصلابة، يصبح الإعجاب خطراً نفسياً. فهو يُهدِّد بالتَّحوُّل إلى اعترافٍ بالضعف. و لا يستطيع الفرد، أو المجموعة، الاعتراف بقيمة الآخر دون أن يشعر بأنه يُقلِّل من قيمته الذاتية. فهو لم يعد يرى نجاحاً خارجياً؛ بل يرى فيه اتهاماً داخلياً حميماً.

في هذه الحالة، يتوقف نجاح الآخر عن كونه حقيقة واقعة. بل يصبح جرحاً نرجسياً. و أمام جرحٍ نرجسيٍ كهذا، تسعى النفس إلى الدفاع عن الذات. و قد تختار التقدير، أو التفكير، أو الجهد، أو التعلم. لكنها قد تختار أيضًا، طريقًا أقصر و أكثر بدائية و أقل جهداً: طريق التقليل من شأن ما يُسبِّب الجرح. عندئذٍ لا يتعلق الأمر بفهم النجاح، بل بتقليص أهميته من أجل الحفاظ على الذات و حمايتها.

التقليل بوصفه دفاعًا

التقليل من شأن الأمور عملية نفسية بسيطة، لكنها فعالة للغاية. و هي تتمثل في الحد من أهمية حدثٍ ما لتخفيف و تقليل تأثيره على الذات. فإذا نجح الآخر، فنجاحه يبقى عادياً، أو نتيجة الحظ، أو مُدبَّراً، أو مبالغاً فيه، أو بلا جدارة، فإنه لم يعد يشكل تهديداً كبيراً.

لذلك سيكون الحديث و التعليقات مُختزَلة في كون الخصم كان ضعيفًا، و السياق كان ملائمًا، و النجاح إعلامي و ليس حقيقياً، و الاستحقاق مشكوك فيه، و الظروف ساعدت؛ و كانت هناك مجاملة و دعم خارجي، و حسابات سياسية، و صدفة، و تلاعب، الخ… أي شيء، ما عدا الاعتراف، ببساطة، بأن الآخر قام بشيءٍ جديرٍ بالإعتراف و التَّقدير.

ما يلفت الانتباه في هذا المنطق هو أن التقليل من شأن الأمر لا يهدف فقط إلى تفسير النَّجاح، بل يسعى إلى تَبْخيسه، فهو يحمي المتحدث من ألم المقارنة. إنه يُحوِّل نجاحاً يمكن قياسه موضوعياًّ إلى حدث محايد نفسياً.

لذا، نادراً ما يكون التقليل تحليلاً بارداً. بل غالباً ما يكون دفاعاً وِجدانياً، مشحوناً بالمشاعر و العواطف، لكنه مُتنكِّر في شكل تعليق عقلاني. و صيغته الضمنية هي التالية: إذا تمكَّنتُ من التقليل من شأن ما أنجزه الآخر، فإنني أُقلِّل أيضاً مما يثيره ذلك في داخلي.

الرغبة في كبح تألُّق الآخر

هنا لا بدَّ من التمييز بين الحسد و التنافس الإيجابي و المحفز.

التنافس الإيجابي يَعتَبِر نجاح الآخر و ينظر إليه دافعاً للتقدم. و قد يكون مؤلماً، لكنه يظل مُثمِراً؛ فهو يُحوِّل المقارنة إلى حركة دينامية و دافعية، و يُحفِّز على التعلم و التنظيم و الإبداع و العمل و النمو و المنافسة.

أما الحسد، فهو يعمل بطريقة مختلفة. فهو لا يكتفي بالسعي للحصول على ما يملكه الآخر، بل يريد أن يتوقف الآخر عن امتلاكه. و لا يسعى الحاسد إلى الارتقاء بنفسه فحسب، بل يسعى أيضاً إلى الحط من شأن الآخرين. فالشخص الذي يقع في براثن الحسد لا يعاني فقط من نقص ما لديه، بل يعاني أيضاً من وجود الخير لدى الآخر.

و لهذا السبب، غالباً ما يُؤدي الحسد إلى التقليل من قيمة الآخرين. فالشخص الذي يسيطر عليه الحسد لا يستطيع البَوْح: «نجاحُه يُؤْلِمُني»، بل سيقول بدلاً من ذلك: «هذا ليس نجاحاً حقيقياًّ»؛ و لن ينطق: «تألُّقُه يزعجني»، بل سيقول: «هذا التألُّق مصطنع»؛ و لن يَتَلَفَّظ: «أشعر بأنني متجاوز و مُتخلِّف عنه»، بل سيقول: «إنه لا يستحق ما يُنسب إليه».

في حالات التنافس الجماعي، تكتسب هذه الآلية أبعادًا و توسُّعاً خاصين. فهي لم تعد تقتصر على شخص واحد يشعر بالغيرة من الآخر. بل قد تَعبُر و تمتَدُّ لتشمل مجموعات بأكملها، و مجتمعات، و أمماً، و جماهير، و مِخيالًا جماعياً. و عندئذ، يصبح من الصعب استيعاب و تقبُّل نجاح الجار أو النَّظير و هضمه نفسياً، لأنه يمس سرديات قديمة: العظمة المفقودة، و الهيبة المتوقعة، و المركزية التي طالما حُلِمَ بها، و الشعور بالتجاهل أو التَّجاوز ظُلماً.
إن نجاح الآخر يأتي إذن ليزعزع الأوهام الحميمية: تلك التي تقول إن المرء مقدَّر له بطبيعة الحال أن يحتل المرتبة الأولى. الحسد هو معاناة تفضل إلقاء اللوم على الآخر بدلاً من الاعتراف بالجرح.

المعيار النرجسي المزدوج

من أبرز علامات هذا الموقف الدفاعي هو المعايير المزدوجة. فعندما ينجح الآخر، نضع نجاحه في سياقه الصحيح، أما عندما ننجح نحن، فإننا نبالغ في تقدير نجاحنا لدرجة أن انتصار الآخر يصبح أمراً عادياً؛ بينما يصبح انتصارنا تاريخياً. إن إنجاز الآخر يُعزى إلى ظروف سانحة و مساعدة؛ أما إنجازنا فيكشف عن عظمة جوهرية. التقدير الذي يحظى به الآخر مُفْرِط؛ أما التقدير الذي نحظى به نحن فهو عادل. يستفيد الطرف الآخر من الظروف المحيطة؛ أما نحن فننتصر رغم هذه الظروف. كان الطرف الآخر محظوظًا؛ أما نحن فقد أثبتنا قيمتنا.

هذا المعيار المزدوج ليس مجرد نقص أو افتقار إلى الموضوعية. إنه وسيلة لترميم و إصلاح الصورة الذاتية. فما حُرم منه الآخر و رُفض مَنْحُه له يُستَردُّ على الفور لصالح الذات. فالعظمة التي لم نكن نتحمل رؤيتها لدى الآخر تصبح فجأة مقبولة عندما تعود إلى المجموعة التي ننتمي إليها.

النفسية المجروحة لا تقيّم الحقائق موضوعيا؛ بل تُخضعها و تُطوِّعها لخدمة و استعادة و ترميم النرجسية. و هكذا، فقد يتم تضخيم إنجازٍ صغير إلى درجة يصبح فيها دليلاً على التفوق، في حين يتم تقليص إنجاز خارجي كبير إلى درجة يصبح فيها شبه تافه.

عندما تصبح المعايير مزدوجة، لا يُصبح الهدف معها هو فهم الواقع، بل حماية صورة الذات من كل مقارنة مؤلمة. و عند هذه المرحلة، لا يكون السؤال هو: “هل نجح الآخر؟”، بل يصبح: “كيف يمكن أن أستمر في الاعتقاد بأنني الأفضل رغم نجاحه؟”. و من هنا تبدأ الذات في البحث عن الأشخاص الذين يشكِّل نجاحهم أكبر تهديد لصورتها عن نفسها.

القريب/النَّظير: المنافس الأكثر إزعاجًا

أحياناً يكون نجاح الآخر أكثر قبولًا من نجاح القريب أو الجار أو المشابه. فالمُتألِّق لا يُقارن بأحد. إنه ينتمي إلى فئة أخرى و يمكن الإعجاب به من دون خطر، و ذلك تحديداً لأنه يبدو بعيد المنال. لكن القريب، أو الجار، أو النظير، أي الشخص الذي يشترك معك في تاريخ، أو منطقة، أو لغة، أو ثقافة، أو ذاكرة، أو وضع مشابه، يصبح أكثر تهديداً. فنجاحه يبعث برسالة واضحة و صريحة: «لقد كان ذلك ممكناً في عالم يشبه عالمك».

و لهذا السبب، فإن نجاح القريب قد يثير مزيداً من الانزعاج مقارنة بنجاح البعيد. فهو لا يُتيح إيجاد العذر المريح المتمثل في عدم قابلية المقارنة، بل يُقلِّل من المسافة النفسية، و يفرض المقارنة، و يجعل بعض التبريرات القديمة أقل مصداقية: مثل نقص الموارد، أو سوء الحظ التاريخي، أو العداء الخارجي، أو الاستحالة الهيكلية. فعندما ينجح القريب أو الجار أو النظير، فإنه لا يكتفي بالتقدم فحسب، بل يسلب الآخر بعض الأعذار، و قد يكون ذلك أمراً لا يطاق.

و نجد هذه الآلية في حالة بلد يجذب المزيد من السياح، أو ثقافة تزداد انتشاراً و إشعاعاً، أو مدينة تصبح مركزًا للفعاليات الدولية، أو مجتمعًا مبتكرًا، أو نظامًا تعليميًّا يتقدم، أو إنتاجًا فنيًّا يتألق، أو اختراعًا يحظى بالاعتراف، أو منظمة تنجح حيث كان الآخرون يعتبرون أنفسهم محكوم عليهم بالفشل.

للنجاح القريب قوة خاصة: إنه يصبح  و يتحول إلى مرآة حية، تعيد و تعكس إلينا حقيقة و واقعًا نعمل أحيانًا على تجنبه.

نظرية المؤامرة كملاذ من العار

عندما تصبح المقارنة مؤلمة للغاية، قد يكون اللجوء إلى نظرية المؤامرة كملجأ و ملاذ. فهي تسمح بتجنب استنتاج بسيط، لكنه صعب التحمل، و هو أنَّ الآخر قد استعد بشكل أفضل، و نظم بشكل أفضل، و عمل بشكل أفضل، و استثمر بشكل أفضل، و اغتنم الفرصة بشكل أفضل.

تُتيح سردية المؤامرة الراحة لأنها تسلُب الآخر استحقاقه. فهي تُفسر النجاح بقوة خفية، أو تحالف غامض، أو تلاعب، أو معاملة تفضيلية، أو نظام غير مرئي. و بذلك، يتيح هذا السرد المحافظة على الصورة الذاتية و حمايتها. فإذا نجح الآخر، فليس لأنه بنى شيئاً ما؛ بل لأنه حظي بدعمِ قِوى مشبوهة.

و بالمثل، لم تعد هناك حاجة للتساؤل عن أسباب الفشل الذاتي. فهو يصبح نتيجة للاضطهاد أو الظلم أو التخريب. الفريق المتضرر لم يفشل؛ بل تمت إعاقته؛ و لم يكن أداؤه أقل كفاءة، بل كان ضحية؛ و لم يتم تجاوزه، بل خانته الظروف. هذا النوع من السرد لهُ وظيفة نفسية واضحة تضمن الحماية من الشعور بالخزي و العار. لأن التعبير عن الخزي و العار أصعب من التعبير عن الغضب. فغالباً ما يكون من الأسهل تحمُّل فكرة أن المرء ضحية لمؤامرة، بدلاً من أن يكون فرداً يواجه حدوده الخاصة. إن اتخاذ موقف الضحية كوسيلة دفاعية يقي من الانهيار النرجسي. فهو يعطي الألم معنًى متماسكاً و يُحوِّل العجز إلى سخط.

و هنا أيضًا، لا تكمن المشكلة في رفض أي تحليل لعلاقات القوى. فالمظالم موجودة، و المصالح موجودة، و التلاعبات موجودة. لكن، عندما يُعزى كل نجاح خارجي، بشكل منهجي، إلى قوى غامضة، و كل عائق داخلي إلى اضطهاد، فإننا نبتعد عن التحليل السَّليم و ندخل في مرحلة الدفاع. فالعالم لم يعد موضوعًا للتفكير؛ بل أصبح أداة تُستخدم لحماية و خدمة صورة متضررة.

استحالة الشعور بالفرح

يُولِّد التقليل من شأن الآخرين حزناً عميقاً يتجلى في عدم القدرة على الفرح بما ينمو في أماكن أخرى. و هذا العجز يُفْقِر الفرد أو المجموعة التي تقع في أسره. فالإعجاب لا يعني الخضوع، و الاعتراف بنجاح الآخر لا يعني التخلي عن القيمة الذاتية. بل على العكس، فالهويات الأكثر صلابة هي تلك القادرة على الإعجاب دون أن تذوب، و على التعلم دون أن تشعر بالإهانة، و على الاعتراف دون أن تعتقد أنها مهزومة. لكن الهويات الهشة تنظر إلى الإعجاب على أنه هزيمة. فهي تخلط بين عظمة الآخر و صغرها و تدنِّيها و فقرها هي، و تتخيل أن النجاح محدود الكمية و إذا تألق الآخر، فإنه يسلبني شيئًا.

هذا هو منطق النُّدرة النرجسية. و هو يفترض أنه لا يوجد ما يكفي من التقدير للكثيرين، و لا ما يكفي من الكرامة للجميع، و لا ما فيه الكفاية من النجاح لكي يتمكن كل فرد من الوجود. يصبح، في هذه الحسابات النفسية، تألق الآخر تهديدًا، لا فرصة. و هكذا يُولَدُ عالماً داخلياً فقيراً، حيث يقضي المرء وقتاً أطول في التقليل و التَّبْخيس من شأن نجاحات المقربين و الجيران و المُماثلين له، بدلًا من بناء نجاحاته الخاصة.

العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى التقليل من الآخر

تكمن خصوصية العظمة الحقيقية في أنها لا تحتاج إلى التقليل من شأن الآخر لتشعر بوجودها و قيمتها. فهي قادرة على الاعتراف، و المقارنة، و التعلم، و التنافس أحيانًا، و لكن دون أن تُدمِّر رمزيًّا ما يُحقَّق من نجاح في مكان أو لدى طرف آخر. فهي تدرك أن نجاح الآخر قد يكون مُزعجاً دون أن يكون مُهيناً. بل إنها قد تقبل أن يكون هذا الانزعاج مفيداً. لماذا يزعجني هذا النجاح؟ ما الذي يوقظه في داخلي؟ ما الذي يكشفه عن تأخرنا، و نقاط ضعفنا، و أوهامنا، و كذلك عن إمكانياتنا؟

يكتسب المجتمع أو المجموعة أو الفرد نُضجاً عندما يتمكَّن من تحويل ألم المقارنة إلى عمل لِتطوير الذات. فعندئذٍ لا يُصبح السؤال هو: كيف نَحُطُّ من شأن الآخر؟ بل يكون: كيف يمكن أن يكون هذا النَّجاح دافعاً و حافِزاً حقيقيا للارتقاء و التَّطور؟

و لعل هذا هو الفارق بين الحسد المُدمِّر و التنافس المُثْمِر. فبينما يسعى الحسد إلى الإحباط، يقبل التنافس أن يصبح حافزاً. و بينما يُولِّد الحسد الضَّغينة، يُولِّد التنافس الدينامية و الحركية. و عندما يبحث الحسد عن المُذنبين، يبحث التنافس عن السُّبل. الأول يحبسنا في الشكوى؛ أما الثاني فيفتح لنا آفاقاً نحو التحول.

ما يكشفه التقليل رغمًا عنه

غالبًا ما يعتقد من يقلِّل من شأن الآخرين أنه يوجِّه ضربة إلى الطرف الآخر. فهو يظن أنه يقلِّل من بريقه، و يشكِّك في قيمته، و يقلِّل من أهمية مكانته. لكن التقليل من شأن الآخرين يكشف، أحيانًا، عن المُتحدِّث أكثر مِمَّا يكشف عن الشخص المُستهدَف.

فبالتِّكرار المستمر أنَّ نجاح الآخر لا يهم، ينتهي الأمر بإظهار أنه يهم كثيراً، و بالإصرار على تفاهته، نكشف عن الأهمية التي اكتسبها في الفضاء النفسي. و بالتأكيد المتواصل على البحث عن تفسيرات لتبخيسه و تحقيره، نفصح و نُبيِّن أنه أحدث تأثيراً عميقاً.

و من ثم، يصبح التقليل من الشأن اعترافاً غير مباشر. فهو يقول: «هذا النجاح أثَّر فيّ»، و يعترف: «لا أستطيع استيعابه»، و يُقِرّ: «هناك شيء بداخلي يرفض إفساح المجال له»، و يكشف رغماً عنه: «يجب أن أقلِّل من شأنه حتى أتمكن من الاستمرار في سرد نفس القصة عن نفسي».

و لهذا السبب، فإن بعض ردود الفعل المُفرطة اتجاه نجاح الآخر تكون كاشفةً للغاية. فهي لا تتحدث فقط عن الموضوع الذي يتم انتقاده، بل تكشف عن هشاشة الشخص الذي ينتقد. إنها تُظهر النقطة المؤلمة، المكان المحدد الذي يتغلغل فيه و يقتحمه ألم المقارنة. و هكذا لا يصبح نجاح الآخر مُجرَّد حدث خارجي، بل يكون اختبارًا داخلياً بالأساس.

من أجل نضج في التقدير

لا يتعلق الأمر بالاحتفاء بكل نجاح بسذاجة، و لا بتحويل الإعجاب إلى واجب أخلاقي. فكل نجاح يمكن مناقشته و تقييمه بتفصيل و وضعه في سياقه الصحيح. و من المشروع تحليل شروط النجاح و حدوده و آثاره و استخداماته الرمزية أو السياسية.

لكن هناك فرقًا جوهريًّا بين التحليل و التقليل من القيمة. فالتحليل يسعى إلى الفهم، بينما التقليل من القيمة يسعى إلى حماية الذات. يمكن للتحليل أن يعترف بالتعقيد، في حين أن التقليل من القيمة يهدف في المقام الأول إلى حرمان الآخر من استحقاقه. التحليل يتحمل التناقض، بينما التقليل من القيمة يحتاج إلى التنقيص و الإختزال.

ربما يبدأ النضج عندما نستطيع أن نقول: هذا النجاح يزعجني، لكنه قائم بذاته، جلِيٌّ و مُستحقٌّ؛ إنه يجبرني على التفكير، لكنني لست بحاجة إلى إنكاره؛ إنه يوقظ في داخلي رغبة في المقارنة، لكن هذه المقارنة يمكن أن تتحول إلى مجهود لأجل العمل و ليس إلى ضغينة و إحساس بالاستياء.

على الصعيد الفردي كما على الصعيد الجماعي، تكمن كرامة خاصة في هذه القدرة على الاعتراف بالآخر دون أن نفقد أنفسنا، و الإعجاب دون أن نَحُطَّ من قَدْرِنا، و التنافس دون كراهية، و التعلم دون الشعور بالإهانة.  لأن نجاح الآخر لا يصبح جُرحاً إلاَّ عندما تفتقر الهوية إلى العمق الكافي لاستيعابه. و ربما تبدأ العظمة الحقيقية، بالضبط من هذه النقطة، و دون الحاجة إلى التَّقليل من مستوى الآخر، بل في القدرة الهادئة على الاعتراف بما ينمو في مكان آخر، مع الاستمرار في بناء ما يمكن أن ينمو في الذات.

و ربما يكون السؤال الذي يستحق أن يرافقنا، فُرادى كُنَّا أو جماعات، ليس الذي يحمل حرقة الإستخبار لماذا نجح الآخر؟ بل ذلك الذي يستفهم لماذا أصبح نجاحه مؤلماً إلى هذا الحد؟

يمكن استخدام المرجع التالي للاستشهاد بهذا المقال:

محمد فراج د. ف (2026). لماذا يصبح نجاح الآخر مصدرا للألم؟. Sycologia.

آخر تحديث: 18 يوليوز 2026

Leave a Comment

error: Le contenu de Sycologia est protégé. Merci de respecter le travail éditorial et clinique du site.محتوى موقع سيكولوجيا محمي بحقوق النشر. نرجو منكم احترام العمل التحريري و الإكلينيكي للموقع.