مقدمة
تعتمد و ترتبط سلوكياتنا اليومية بالكثير من العوامل. فبالإضافة إلى منظومتنا التربوية و نمُوِّنا و ارتقائنا داخل الخلية الأسرية، فإن شخصياتنا تحمل أنماطاً سلوكية تضرب بجذورها في طفولتنا و تأتي من عمق حياتنا داخل الرحم من خلال اليوم الأول لخلقنا و/أو منذ أجيالٍ من أسلافنا.
ولعل هذه الأنماط من طبيعتها أن تكون واعية، أو نصف واعية أو لا واعية تماماً؛ و سنرى من خلال هذه الورقة كيف تنسلُّ و تتجذَّر هذه الأنماط السلوكية بداخل أدمغتنا و ما هي السبل لتغييرها؟
منذ التشكُّل الجنيني، يبدأ دماغنا بتوثيق و تسجيل كل شيء بعناية كبرى و كاملة بالتفاصيل الدقيقة من المناخ الأسري
و المحيط العام، و مشاريع و صراعات الوالدين، إلى الأُخُوَّة بضحكاتها، لعبها، صخبها و صراخها. و تستمر هذه التوثيقات و التسجيلات طيلة مدة الحمل.
عندما نتحدث و نفكر في مناخ اللحظة الأولى للخلق فنعني بذلك أجواء الحياة على هذا الكوكب و أجواء البيئة العائلية (الحرب، السلم، المجاعة، البذخ، الوئام، الحزن، الانفصال…). أما مشاريع الوالدين فيمكن أن تكون مالية، مهنية، عاطفية بينما الصراعات يمكنها أن تكون عن وعي أو عن غير وعي و هي التي تمثِّل أثقل جزءٍ سوف يرثه و يحمله الطفل بقية حياته.

إذن، فالشخص منذ لحظة الخلق الأولى إلى حدود لحظة الولادة، أي كل مدة الحمل الطبيعية، يكون في وضعية برمجة مُسبقة و عندما يولد يكون متوفراً على نسبة من البرمجة و لكن القليل جدا من الإرادة الحرة. و من الولادة حتى سن السادسة أو السابعة يستمر الطفل في أخذ و تلقي البرامج و البرمجة مع حاجة كبيرة و مُلِحَّةٍ لديه لإبقاء اتصال دائم بالأم.
لنأخذ على سبيل المثال، حالة سريرية سنطلق عليها استعارة اسم “فاطمة”. والدا “فاطمة” كانا في وُدٍّ و محبةٍ و في تمام التناغم ولكن يوم كانت في رَحِم أمها، كانت هذه الأخيرة تشك في خيانة زوجها لها (المناخ : شك، خيانة؛ المشروع : الإنفصال، الطلاق؟). في يوم من الأيام كان الشك في ذروته و قويٌّ جدا لدرجة أنها تعقبته في بعض تحركاته. في ذلك اليوم، و أمام أعينها، تكتشفه مع إحدى زميلات العمل يتجه معها متعانقين نحو مدخل أحد الفنادق (= الصدمة). لقد كانت حاملا في شهرها الثالث. بعد أن تلقت هذه الصدمة القوية عادت على أعقابها و هي في حالة مضطربة. و خوفا من أن يضيع منها زوجها لم تقل أي شيء، أبداً.
أتت “فاطمة” إلى العيادة للاستشارة بخصوص مشكل يتعلق بفشلها المتكرر و عدم نجاحها في بناء علاقة عاطفية رغم توفر كل الشروط المواتية. بالعمل على النبش في سيرتها و سوابقها، تم تفقُّد و تحديد الأنماط السلوكية مما أدى بنا إلى التوجه نحو البحث عن الأنماط الآتية من الأسلاف. من حسن الحظ، “فاطمة” كانت على علم بقصص نساء الأسرة. لقد استنتجنا بأن قصة أمها مثلها مثل قصة جدتها و حتى جدة أمها. كلُّهُنَّ تعرضن للخيانة الزوجية و لم يبُحن بالسر.
إنه لمنطقي إذن أن يكون لدى “فاطمة” اعتقاد لا شعوري مترسخ بقوة، مرجعه : لا ثقة في الحب أو الزواج، و إنه بسبب هذا، خلال مسارها الحياتي، منذ بلوغها، لم تقابل إلاَّ نفس النوع من الرجال، أوفياء شيئاً ما، تتركهم، تهجرهم و تفك ارتباطها بهم في حدود مدة لا تتعدى ثلاث أشهرٍ على الأكثر بدعوى أنهم لم يعودوا يتوافقون مع انتظاراتها. و أوجهكم للتفكير في هذه المدة، ثلاث شهور، و علاقتها بما عاشته أمها و الربط بينهما.
و ككلِّ البشر، مثل أي فردٍ منَّا، دَوْرُ “فاطمة” و مهمَّتُها هي كسر سلسلة بعض الأنماط السلوكية المُحمَّلةِ بالتوتُّر، بالمعاناة و الكرب واستعادة حرية إرادتها و إنقاذ الأجيال القادمة من ذريتها و عشيرتها من معاناة حقيقية.
يُفهمُ الآن، أنه لهذا، كانت لدى “فاطمة” صعوبة كبيرة في الفرح و الإبتهاج و كذلك الإبقاء على علاقاتها العاطفية لمدة طويلة. اليوم، تستنتج، تكتشف و تعرف “فاطمة” منابع سلوكياتها اللاشعورية و أصبحت تعيش على وجه الكمال و بدون تحفظ علاقةً غراميةً تستمرُّ أكثر من ثلاثة شهور.
يمكننا أن نتصور أنَّ الأنماط السلوكية التي نسجِّلها منذ البدء و بعد الولادة تتشكَّلُ على هيئة شبكة عنكبوتية يُمثِّل فيها كل خيط من هذه الشبكة سلوكاً مُحدَّداً. طوال حياتنا، ستكبر هذه الشبكة و تستمر في التطور. و الفائدة تكمن في تحديد الاتجاه المرغوب فيه لهذا التطور؛ لأنه طوال حياتنا، سنقوم بترجمة اتجاهات هذه البرامج اللاشعورية و جذب الأشخاص المبرمجين مثلنا و سنُعيد معهم إنتاج هذه البرمجيات و البرامج اللاواعية حتى اليوم الذي سنرغب فيه، قوياًّ، الإنعتاق و التحرر منها بفضل وعينا بها و بدورها في حياتنا اليومية. و في هذه اللحظة، إذن، ينفسح المجال للتطور، تطوُّرِنا نحن و تطور ذريتنا و استعادة إرادتنا الحرة.
استعادة الإرادة الحرة من خلال التغيير الواعي للسلوك
كيف تستعيد الإرادة الحرة؟
بتحرير الإرادة؛ و كيف نُحرِّر الإرادة؟ بتوقفنا عن إصدار الأحكام عن الآخرين و على الوقائع بوضع أنفسنا مكان الآخرين، و أن نعيش اللحظة الحاضرة/الآنية في حب و سلام و هذا، هو مفتاح السعادة.
ما هو مهم، هنا، هو أن نفهم أن الأشخاص لا يتحدثون إلاَّ عن أنفسهم. لنرى في عجالة، التشويه الذي يمنع و يَحُولُ دون تحقيق تواصل فعَّال.
نحن نولد بأنماط سلوكية و نكبر بمعايشتنا و اختبارنا تجارب عديدة، و التي من خلالها نخلُق و نبْني اعتقادات متعددة و مختلفة على اختلاف و تعدد التجارب. هذه الإعتقادات أخذت و تأخذ مكانها عن طريق حواسِّنا الخمس. إنها تَثْبُثُ بفضل ما رأيناه (حاسة البصر)، و ما سمعناه (حاسة السمع)، و ما أحسسناه (حاسة اللمس)، و ما شممناه (حاسة الشم) و ما تذوقناه (حاسة التذوق).

نستنتج من هذا، أن كل تجربة نعيشها، نقوم بتقييمها و بتقديرها عن وعي و/أو عن غير وعي باستعمال كافة حواسِّنا الخمس التي من خلالها يكون تحصيل، اكتساب و إحراز المعلومة. و انطلاقا من كمِّ و طبيعة المعلومات المُحصَّلة، و انطلاقا من كل تجربة تُخْلَقُ و تُنتَجُ اعتقادات معينة مرتبطة بالتجربة المعاشة.
عندما يتحدث الأشخاص، فإنهم يستعملون حواسَّهم الخمس. على سبيل المثال، عند حديثهم عن عطلتهم إنما يتحدثون عن ماذا رأو، و ماذا أكلوا، و ماذا فعلوا كأنشطة… الخ. ولكن، مع الأسف، ما يمنع و يحول دون خلق تواصلٍ فعَّال و يُنتج غالب الصراعات و النزاعات بين الأشخاص و المجموعات هو نزوعنا، بدون توقف، نحو إنتاج التشويه.
عندما يكون الشخص يتحدث، نفكر، على الفور، فيما يمكن أن نجيبه عوض الإصغاء و الإنصات إليها.
و الأسوأ من هذا، هو أننا نقوم بتأويل و تفسير خطابه دون أن نطلب منه إذا كان ما فهمناه هو بالضبط ما كان يود أن نفهمه و يقوله لنا. إننا نعيد و نُرْجِعُ كل شيء لنموذجنا الخاص: “أنا كذلك ذهبت هناك…”، و بمثل هذه الردود و الاستجابات ينكسر و يتحطم التواصل الفعال. التفاعل أو الرد الأمثل هو أن نجيب: “آه، و هل كان ذلك ممتعا؟ هل أعجبك ذلك؟ هل كان الطقس جيدا؟”. إهْتَمْ بالآخر، ضع له أسئلة تحُثُّه على الحديث و الكلام عن شخصه و في إطار “رابح/رابح”: أنا أيضا أتعلم معك أشياء مثيرة للإهتمام.
إنه ضروري و مهم أن نفهم و نتذكر دائما أن الأشخاص، في العمق، لا يتحدثون إلاَّ عن أنفسهم. يجب إدماج هذا الواقع جيدا في أذهاننا. حتى عندما يقولون “أنت” أو “هو” فهذا يعني، مع ذلك، في غالب الأحيان “أنا”. كلنا يعرف أننا، دائما، نلوم الآخرين بما نلوم به أنفسنا في الأصل. يمكن لأي شخص تجريب ذلك بالإستماع و الإنصات للآخرين يتحدثون. أتذكر تلك السيدة في إحدى المرات، و هي تنتظر القطار، كيف كانت تُصرِّح بأنها لا تتحمل الناس الذين ينتقدون باستمرار، و خمس دقائق بعد هذا التصريح انطلقت في حمى انتقادية ضد مسؤولتها في العمل. عندما يسُبُّك شخص ما أو يلُومك على بعض الأشياء بطريقة غير صحيحة و غير عادلة في نظرك، يمكنك أن تقول له: “هل تتحدث عن نفسك؟”. خلال تواصلك، لا تحتفظ إلاَّ بالتعلُّمات البَنَّاءة و اترك للآخرين أحكامهم القيمية و انتقاداتهم إنهم لا يتحدثون إلاَّ على أنفسهم.
أي تجربة، واقع، حدث، موقف أو حقيقة يعيشها الفرد، ستخلق بصفة أوتوماتيكية و بتلقائية فائقة السرعة اعتقادا، افتراضا أو حكما مرتبطا بهذه التجربة و الذي سيخلُق بدوره، ينفس التلقائية و السرعة، شعوراً، إحساسا، عاطفة أو انفعالاً سيذهب، بدوره، في نفس الخط بخلق سلوكٍ يعتبر نتيجة لتفاعل كل العناصر السابقة.
لنأخذ مثلاً، سيدة ترى و تلاحظ أن زوجها قلق. أمام هذا الوضع، يمكنها أن تنطلق في الإعتقاد بأن ذلك بسببها أو بسبب خطأٍ ارتكبته، أو أن تفترض بأنه لم يعجبه طبخها مما يؤدي بها إلى القول مثلا “يا له من أبله!”. انطلاقاً من هنا، ستكون السيدة عُرضةً للتوتر و النرفزة مما سَيُنتِج سلوكاً عدوانيا مثل قولها له: “لقد سئمت منك، دائما نفس الشيء معك، إنك حقير!”.
في حين، إذا التزمتْ حدود ذلك الواقع، أي قلق زوجها، وأخذِ وضعية القلق كما هي فقط دون ربطها بشخصها و تركه يقلق على مزاجه لأنه ربما هو بحاجة إلى ذلك، أو ربما يجلب له الراحة أو ربما يقلق لأي سبب آخر. و لكن، ما هو مؤكد أن حالته و وضعه لا يعنيها في أي شيء، ما يعنيه أصلا هو أنه قلق لا أقل و لا أكثر.

إنَّ العمل على التغيير يبدأ بشكل أساسي، انطلاقا من هذه الإعتقادات، بواسطة تقنيات علاجية مختلفة كالبرمجة اللغوية العصبية، تغيير المشاعر و الحالات الداخلية التي ستُغيِّرُ السلوك. سنقف عند التجربة، الحدث، الموقف أو الوضعية التي كانت منبعاً للسلوك المراد تغييره و سنقوم بتغيير الإعتقادات السلبية بإعتقادات إيجابية.
من بين التقنيات المستعملة هناك تقنية “إعادة هيكلة قصص الحياة”. في هذا الإطار ننطلق من ترسيخٍ مشابه للشعور أو مجموعة مشاعر و نعيد الشخص إلى اللحظة الحاسمة من التجربة، الحدث، الموقف أو الوضعية، التي خلقت و أنتجت التقييم أو الإعتقاد المراد تغييره. في غالب الأحيان، نصل إلى سياق الطفولة المبكرة. و حسب السياق، سنغيِّرُ التقييم، الإعتقاد و تحويله من إعتقاد مُعيق إلى إعتقاد مساعد، مهم للمستقبل.
لنأخذ حالة إكلينيكية كمثال لتطبيق هذه التقنية. لنفرض أن “زيداً” كانت لديه صعوبة كبيرة في أن يحب أطفاله بالطريقة الطبيعية ككل الآباء الآخرين. بواسطة تقنية “إعادة هيكلة قصص الحياة” سنعود إلى فترة مروره بروض الأطفال و هو ذو ثلاث سنوات. آنذاك، تطلب المربية من كل الأطفال: “كيف توقظكم أمهاتكم في الصباح؟”، إجابة على هذا السؤال يسمع “زيد” الكثير من الأطفال يصفون أمهات حنونات، لطيفات و محبات و ينهار تدريجيا لأنه، بالنسبة له ليس الحال كذلك. أمه عند كل صباح، تفتح باب الغرفة بعنف، تشعل المصباح و تصرخ بقوة: “هيَّا، انهض”. أمام تصريحات أقرانه هنا، يتصلب “زيد” و يبدأ بالبكاء. المربية لا تستوعب توتُّره و لا تفهم لماذا يبكي و تعاقبه, و انطلاق امن هنا يبدأ “زيد” في الإعتقاد أنه شخص غير محبوب.
هنا، نقوم بتغيير السياق، و يتم ذلك بإدخال “زيد” البالغ في المشهد، أو إدخال إحدى الشخصيات الرمزية التي تحيل على الحكمة و الرزانة و الخبرة في الحياة، ليس مهماًّ من تكون هذه الشخصية، حالما تكون قادرة على إعطاء الدرس و التعلم المُنتظر للطفل “زيد”. هنا لابد للطفل “زيد” أن يعرف جيدا أن سلوك أمه و سلوك المربية لا يعنيان أو يقولان شيئاً عنه و عن شخصه و بأن الأمر و ما فيه و كأن الحياة جعلته يعيش ذلك الموقف ويمر من تلك الوضعية في طفولته لتلقينه كيف يجب أن يُفيق أطفاله. لأنه سيكبر و سيكون له أطفال و يتوجَّب أن يُحِبَّهُم و يعتني بهم كما هو حال تلك الأمهات مع أطفالهن.
حالما يتغير الإعتقاد من مُعيقٍ إلى مساعد مستقبلا، تصبح المشاعر سعيدة و يتغير السلوك. بعد هذا نطلب من العقل اللاشعوري بتعميم هذا التغيير على كل التجارب الحياتية المماثلة مما سيترتب عنه تحرُّرٌ و قبولٌ كبير يُنتج استرخاء تاما و بهجة كبيرة تؤدي إلى تغيُّرٍ كلي في السلوكيات بطريقة أوتوماتيكية. إنه لمُهمٌّ أن نفهم بأن الحياة سيرورة تَعَلُّم، تماما كما في الفصل الدراسي، و التجارب ما هي إلاَّ تجارب. ليس هناك صواب أو خطأ، هناك تجارب فقط. و لا يوجد شيء اسمه الفشل، بل الفشل ما هو إلاَّ خطوةٌ من خطواتٍ نحو النجاح.
استعادة الإرادة الحرة من خلال تغييرٍ، شبه واعي، بالسلوك
الطرق المستعملة هنا متعددة و مختلفة. و مع ذلك، نستخدم قبل كل شيء، في كل هذه المناهج على اختلافها، تقنية “تفاوض الأجزاء”. نحن كائنات متعددة الأوجه، و إذا كان بداخلنا جزء يُدخِّن، و/أو جزء مريض أو جزء يغضب طوال الوقت و/أو جزء آخر يريد التنفس، أو أن يكون في صحة جيدة أو أن يبقى هادئاً فإنه من الضروري، أوَّلا، معرفة النية الأساسية، الأولى للجزء الذي يُزعجنا أكثر. هذه التقنية، غالبا ما تكون كشفاً حقيقياً لأننا لا نتوقَّع أبداً، أن هذا الجزء المُزعج ستكون له نية إيجابية و حسنة و لهذا، يبقى من الضروري جداً، إشباع و إرضاء نية هذا الجزء المزعج، قبل تغيير السلوك لأن غير ذلك سيُقوِّي الفرص و الاحتمالات بعودة المشكل. و هنا، سنهتم كذلك، بالمستويات المنطقية للفكر و بالبرامج الفوقية (Les métaprogrammes).
المستويات المنطقية للفكر

عندما ننظر بتمعُّن و قوة ملاحظة إلى هذه المستويات المنطقية للفكر نُدرك، مثلا، بأنها ليست البيئة التي ستُرضي قِيَمَنا بل هي الهوية، “من أنا؟”، هل أنا إنسان رائع؟ عظيم أو استثنائي؟ و إنها اعتقاداتنا التي تؤثر على مشاعرنا و عواطفنا. و مهمَّتُنا، بُغيتُنا هي التي تَحُلُّ كل باقي المستويات. بعبارة أخرى، إذا أخذت، على سبيل المثال، على أن بُغْيَتي و أربي هو أن أكون رجلا مُحباًّ لزوجتي؛ إذن ستكون رؤيتي المثالية للعيش كزوجين هي التوافق التام على جل المستويات. و ستكون القيم التي أدافع عنها و أتبنَّاها هي: التواصل، التواطؤ، الأسرة، العطف و الحنان، الحب… و طالما أني أشارك كل هذا مع زوجتي، فأنا زوج محبٌّ و بالتالي تتم تلبية و إرضاء جميع قيمي؛ و أعتقد أني شخص جيد، و من تم، فأنا حتماً بخير و لدي القدرة الكاملة لتنفيذ مهمتي و لي سلوك محبٌّ و زوجتي سعيدة.
الآن، لنتخيل أن زوجتك غضبت لسبب من الأسباب. فأنت إذا لم تكن تعرف بعض قوانين العلاقات الإنسانية كـــ”تأثير المرآة ‘l’effet miroir” أو ما تعرضنا له قبلاً بخصوص “التواصل الفعال”، فإن مهمتك، سوف تتأثر و تضطرب بصفة أوتوماتيكية. و هنا، تكون الكارثة، حيث ستعتقد أن غضبها هو عتاب لك بطريقة غير مباشرة. فجأة، رؤيتك للزوجين المثاليين تأخذ ضربة قوية، قيَمُك تُنتهك و تشعر و تحِسُّ بالغضب، أو لديك خوف، أو أنت حزين و لم تُصبح قادرا على إعطائها العطف و الحنان و تتوتَّر و تعبس بسهولة و بسبب كل هذا تُصبح زوجتك غير مستقرة,
كيف السبيل لتجنب الوقوع في مثل هذه المواقف؟
أول شيء يجب فعله هو الإقتناع بأن كل ذلك لا علاقة له بكما كزوجين. بعدئذ التوجه مباشرة نحو الحل: ما هي الحلول الممكنة لهذا المشكل؟ في هذا المثال، سوف تقول لها، مثلا، “عبِّري بوضوح عمَّا يُغضبك؟” و تتكيف و لا تُشكِّك أبدا أو تُزعزع هويتكما أو رؤيتكما. إنها ليست البيئة/المحيط الذي يُرضي قِيَمَنا بل إنها هويتنا. لهذا و لذاك، كلما كان لديكم انطباع بأن شخصا يهاجمكم، في الواقع، إنما لا يهاجم إلاَّ نفسه. هذا لا يعني و لا يقول شيئاً عنكم، إنه بكل بساطة، يعني أن ذلك الشخص فَقَدَ السيطرة. في هذا المثال، يمكن أن نتصور أن الزوجة لديها قاعدة جامدة من قبيل: الزوج يجب أن يكون في ساعة محددة بالضبط في المنزل، الثامنة مساء مثلا، لتناول الطعام دون تأخير عن الساعة المُحددة. الحكمة تريد أن نساعدها على أن تُليِّنَ هذه القاعدة الجامدة التي تحول و إيَّاها دون أن تكون سعيدة, لفعل هذا و النجاح فيه، نحن بحاجة إلى تقنيات “التواصل الفعال”.
البرامج الفوقية Métaprogrammes

المقصود من البرامج الفوقية هي مجموعة برامج ترسَّخت على مرِّ الزمان في بعدٍ لا شعوري. يمكنها أن تؤدي بنا إلى النجاح كما بإمكانها أن تقودنا نحو الفشل.
إنه من الأفضل أن نقول “أريد” عوض “يجب علي”. يجب الإنتباه جدّاً إلى القوة الخلاَّقة للكلمات، من الأحسن أن نكون في طاقة: الآن و هنا، بدلاً من اجترار الماضي بصفة مستمرة دون جدوى. إنه أيضاً أكثر فائدة أن نقول و نعرف أننا مختلفون عن الآخرين عوض الاستمرار في مقارنة أنفسنا بهم. و بالمثل، من المثير للإهتمام أن نفعل الأشياء بأنفسنا عوضاً من السماح أو مطالبة الآخرين القيام بها نيابة عنا. و الذي يركِّز كل طاقته و اهتمامه بنرجسيةٍ على “شخصه الصغير” سيكون، حتماً، أقل كفاءةً من الذي يوجِّه ذلك نحو الملاحظة. و نوظِّفُ ما لدينا عوض البحث و التركيز على ما هو غير متاح و مفتقد هو أكثر إعانة لنا بدون شك. كذلك، إن القيام بالأشياء بسرعة و عُجالة هو أقل جدارة و صلاحيةً بكثير، مقارنةً مع أخذ الوقت الكافي و التأنِّي في ذلك. و بطبيعة الحال، فبناء و تنفيذ مشروع معين مرحلة بعد الأخرى و حسب مخطط و مساطرَ واضحةٍ هو أكثر و أحسن نجاعة و كفاءة من تحقيقه اعتمادا على الإرتجالية.
زيادة على هذا، إذا كنا نعمل على الدقة و التدقيق، شيئا فشيئا و بشكل محدد، فسننجح أحسن لا محالة. أيضا، عندما نبحث عن المتعة على المدى البعيد فالنتيجة هي أكثر أهمية من إن كنا نقوم فقط بتجنب و اجتناب المشاكل و التعقيدات على المدى القريب؛ مثلا، يمكن أن نجتنب التأخُّر عن الوقت المحدد لموعدٍ ما أو نكون متقدمين عليه.
في غالب الوقت، فالوالدان هما من يضعان الأطفال في إطار مرجعي خارجي ولكن، في نفس الوقت، هما من يُعيقانهما على البقاء متصلين مع العالم الخارجي. نسوق مثالا كتلك الأم التي كانت تمسك طفلها وهو يمشي في الشارع؛ وفجأة يسقط الطفل. أمام هذا الموقف قالت الأم “يا له من رصيف سيِّء”. رد الفعل هذا يترك الطفل يقوم بتقييم خاطئ للموقف باعتقاده أن اللوم و الخطأ يرجع إلى الرصيف الذي هو المسؤول عن سقوطه. هنا، الإطار الخارجي الذي وضعت فيه الأم طفلها هو(إنها غلطة الرصيف) بينما بقي الطفل متصلا مع العالم الداخلي (الطفل يبكي بسبب سقوطه), هذا، بطبيعة الحال، لا يساعد الطفل. كان يجدر بالأم، و من الأحسن، أن تقول له ” انظر أمامك دائما، عندما تمشي ” أو “يجب عليك الإنتباه أين تضع رجليك”. هكذا سيكون تقييم الطفل مختلفا للموقف من قبيل قوله “أنا مسؤول إذا سقطت”.
إنه لجد مهم بأن نوجه الأطفال نحو النجاح بغرس قيم و مبادئ و سلوكات و برمجتهم برمجةً مساعدة. إن الأطفال يحبون كثيرا القيام بالمهام، كلِّفوهم، دائما، بمهمات و لو صغيرة، مثل “هل تُفضِّل لبس الجوارب الحمراء أم الجوارب الزرقاء؟” واتركوهم يتخذون القرارات بنفسهم. بالنسبة لنا ككبار، مثل هذه المهمات هي لا شيء و لكنها شيء مهم بالنسبة لهم كأطفال: إنها حرية الإختيار. دعوهم يختبرون الحياة و يتعلمون منها كما هي. إن الحياة مدرسة.
استعادة الإرادة الحرة من خلال تغيير لا واعي للسلوك
معظم الوقت، غالبا ما تجد السلوكات اللاشعورية حلها في شجرة العائلة. كما رأينا ذلك سالفا، نحن نعيد إنتاج بعض أنماط أسلافنا في ارتباط بتاريخ ولادتنا، الأسماء التي أعطيت لنا و حتى ترتيبنا بين الإخوة. إذا نظرنا إلى المربع السحري، الذي وضعه علماء النفس المتخصصين في الشجرة العائلية (علم النفس الأنساب Psychogénéalogie) و تأثيراتها في التكوين النفسي للفرد و الجماعة، سيثير انتباهنا بأننا ننتمي إلى إحدى الخانات:

الواحد سيكون متوافق مع الأربعة، السبعة، العشرة، الثلاث عشر تماما كما سيكون الإثنان في ارتباط مع الخمسة، الثمانية، الحادي عشر و الثلاثة مع السادسة، التاسعة، الثانية عشر.
يمكنك تركيب شجرة العائلة، الخاصة بك، بما فيها الإجهاضات و الإنهاءات الطوعية للحمل و تمعَّن جيدا في الأرقام التي تطابق رتبتك. هذا سيسهِّل عليك معرفة ما إذا كانت هناك تشابهات و/أو تطابقات في الأنماط السلوكية.
و للتخلص من هذه الأنماط، في بعض الأحيان، لا يتطلب ذلك أكثر من الوعي بها و بوجودها بكل بساطة أو، إذا اقتضى الحال ذلك، اعتماد و تطبيق هذه التقنيات العلاجية المفصلة قبلاً.